إطبع هذا المقال

إنجاز التمويل لا يُعفي الحكومة من التهيؤ للالتزامات الأخرى

2011-12-12

 

إنجاز التمويل لا يُعفي الحكومة من التهيؤ للالتزامات الأخرى
تفاهمات ضمنية على التهدئة إفساحاً لالتقاط الأنفاس

 

"النهار"

 أن يموّل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي حصة لبنان من المحكمة الدولية وينصرف الى "ترتيب البيت الداخلي"، على ما ينقل عنه زواره، عبر المبادرة الى طرح الملفات العالقة، لا يعفي الحكومة من استحقاقات المرحلة المقبلة وهي على أكثر من محور. أولها محلي يتمثل في ادارة الصراع الحكومي على السلطة بين قوى التحالف الاكثري بحيث لا تنفجر الحكومة من الداخل تحت وطأة تصويب "تكتل التغيير والاصلاح" على ميقاتي و"حزب الله" و"أمل" بعد خيبة العماد ميشال عون من حلفائه. والملفات المتفجرة على هذا الصعيد كثيرة، بدءاً من الاجور الذي لم تنته تداعياته السياسية بعد، مرورا بمشروع الموازنة والسياسة المالية المرتبطة بها وصولا الى ملفي التعيينات وشهود الزور.
أما الملف الآخر فاقليمي ويتعلق بأخطار الوضع السوري وانعكاساته على لبنان سياسياً وأمنياً واقتصاديا، في ظل تنامي الضغوط العربية والدولية والتهديد برفع وتيرة العقوبات والتشدد في تطبيقها، مما يجعل لبنان تحت المجهر الدولي منعا لأي تفلت سوري عبر البوابة اللبنانية، بحيث تصبح سياسة "النأي بالنفس" غير كافية لابعاد لبنان عن الكأس السورية متى اشتدت تلك الضغوط وبلغت خطوطها الحمر. ومعلوم أن أي تعاط سياسي في اتجاه احكام قبضة "حزب الله" على السلطة سيكون المدخل المباشر للعقوبات الدولية على لبنان، وهو الامر الذي ينقله الدبلوماسيون الاجانب في كل زيارة أو رسالة الى السلطات اللبنانية.
في المحور الثالث، قلق دولي من تخلف لبنان المحتمل عن تمديد الاتفاق الموقع مع الامم المتحدة حول المحكمة الدولية. صحيح أن رأي الحكومة اللبنانية في هذا المجال لا يتجاوز المشورة مع الامانة العامة للأمم المتحدة باعتبار أن الرأي الاخير هو لأمينها العام (وفق المادة 21 من الاتفاق الاممي)، لكن هذا لا يعفي لبنان من موقف واضح في هذا الشأن وخصوصاً أن ثمة من يهول بأن القبول بالتمويل عبر غض الطرف لا يعني أن الموقف من التمديد سيكون مماثلاً بل أن استراتيجية "حزب الله" الرامية الى اسقاط المحكمة تمر أولاً وأخيراً عبر اسقاط بروتوكول التعاون. وليس اعادة احياء ملف شهود الزور الا مقدمة لطرح هذا الموضوع برمته، وصولا الى سحب الملف عن طاولة المحكمة الدولية واعادته الى القضاء المحلي.
والواقع أن التزامات رئيس الحكومة لا تقف عند بند التمويل ومكافأته عبر الترحيب وانفتاح الغرب عليه، اذ يمكن هذا الانفتاح أن ينتهي بين ليلة وضحاها اذا بدا أن الالتزام اللبناني حيال المحكمة سيقف عند هذا الحد. والرسالة الاميركية في هذا المجال كانت واضحة على لسان نائب وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى جيفري فيلتمان، اذ اختصر عناوين المرحلة المقبلة في مجموعة من الرسائل: تطبيق القرارين الدوليين 1701 و1559 وقرار انشاء المحكمة، وعدم الوقوف في وجه الاجماع العربي حيال سوريا. وهذا يعني عملياً أن على رئيس الحكومة الاستعداد لتحديات المرحلة المقبلة واستحقاقاتها الداخلية والدولية عبر المضي في التزام المحكمة والقرارات الدولية الاخرى. وليست زيارة الامين العام للامم المتحدة الى بيروت الا المناسبة لتأكيد هذا الالتزام.
وفي حين تقلل مراجع سياسية مخاطر هذه الاستحقاقات على المدى المنظور باعتبار أن لبنان اليوم ليس أولوية على أي أجندة، وفترة السماح لحكومة ميقاتي لم تستنفد بعد، تسلط الضوء على الضغط الاقتصادي المتنامي في وجه الحكومة، ولا سيما بعد اقرار زيادة الاجور واستكمال درس مشروع الموازنة هذا الاسبوع.
فالزيادة التي لا تقل كلفتها عن 700 مليون دولار، تتطلب ايرادات جديدة لتغطيتها، وهي ايرادات ستكون موضع نقاش جدي في مجلس الوزراء في ظل تعذر فرض أي ضرائب جديدة تحت وطأة التباطؤ في النمو الاقتصادي.
وهذا الامر سيشكل تحدياً كبيراً في وجه الحكومة الواقعة حالياً بين مطرقة التصعيد النقابي المدعوم حزبيا من "حزب الله" (ارضاء لعون) وعجز الهيئات الاقتصادية عن هضم التسوية التي أخرجها ميقاتي من جيبه، وهي ثمرة عمل مشترك لوزير الاقتصاد والتجارة نقولا نحاس ورئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت محمد شقير والرئيس السابق لجمعية الصناعيين جاك صراف اللذين كان لهما اليد الطولى في اقناع قيادة الاتحاد العمالي العام وبعض الهيئات الاقتصادية بها، علماً أن ثمة امتعاضا في الاوساط الاقتصادية من الاخراج الذي تم لملف الاجور والذي لم يكن بتنسيق كامل بين الهيئات نفسها.
فالمشهد الجامع لأصحاب العمل في البيال غداة صدور القرار الاول لمجلس الوزراء في شأن الاجور لم يعد هو نفسه اليوم. الصناعيون تحركوا في اتجاه المسؤولين وكان تحركهم الوحيد المثمر في اتجاه اقناع هؤلاء بضرورة التوصل الى زيادة مدروسة تقترن باجراءات تحفيزية للقطاعات الانتاجية. ونقل عن اعضاء الوفد الصناعي الذي زار الرابية أن العماد عون بعدما استمع اليهم، كان ميالا الى تبني وجهة نظرهم بعدما كشف أمامهم أنه لم يكن على دراية بحجم السلبيات التي يتضمنها مشروع وزير العمل. 
أما جمعية التجار فيتمسك رئيسها نقولا شماس بالموقف المبدئي الذي لا يزال ينظر الى القرار على انه غير مؤات قي الظروف الراهنة.
وحده رئيس الهيئات عدنان القصار بدا خارج الصورة أو مستقيلا من حركة الاتصالات والوساطات، بما يجعل حال الهيئات الاقتصادية والعمالية على الصورة المتشرذمة للحكومة.
في أي حال، يعرب رئيس الحكومة أمام "النهار" عن تفاؤله بأن "الاوضاع ممتازة والامور سائرة في اتجاه المعالجة"، متوقعاً أن تكون الجلسات المكثفة لمجلس الوزراء منتجة من دون أي مشاكل، "فالجميع متفق على حاجة البلاد واللبنانيين الى الهدوء والتقاط الانفاس". وبدا من كلام ميقاتي أن ثمة تفاهماً ضمنياً على وضع الخلافات جانباً في فترة الاعياد من أجل تنشيط الحركة واستعادة بعض الانتعاش.

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها