إطبع هذا المقال

تفاصيل المفاوضات بين بري وجنبلاط والسنيورة والحريري.. و«حزب الله»

2014-03-15

تفاصيل المفاوضات بين بري وجنبلاط والسنيورة والحريري.. و«حزب الله»

كلمات تستولد حكومة منتصف الليل

 


"السفير"

للمرة الأولى منذ انخراط المقاومة في حكومات ما بعد الطائف، وتحديداً بعد العام 2005، وجدت نفسها، في خضم معركة سياسية، جرّب خصومها خلالها استخدام كل ما يمتلكون من أسلحة اللغة العربية وحروفها ومفرداتها ومعانيها، من أجل محاصرتها، لكن النهاية لم تكتب إلا بسلاح من نوع جديد هو «ألف.. لام» التعريف.
جرّب الرئيس فؤاد السنيورة أن يستعين بـ«سيبويه» الفارسي، إمام علم النحو، وبكل من يتعصبون إليه في زوايا «السرايا» و«بيوتات نحوية» عدة، للتحايل على المقاومة، لكن «سيبويه» الأميركي، وتحديداً السفير ديفيد هيل، وبـ«عونة» سفراء وقناصل آخرين، ابرزهم ديريك بلامبلي، حسموا الموقف، بأن شجعوا على تبني صيغة الرئيس نبيه بري ممهورة بتعديلات النائب وليد جنبلاط، وبمباركة السيد حسن نصرالله وبتدخل متأخر ولكن بمضمون ايجابي للرئيس سعد الحريري، فكانت الولادة السحرية الجديدة لحكومة تمام سلام، في منتصف ليل امس، بعدما بلغت الأمور حد التلويح النهائي بالاستقالة.
يومان ماراتونيان في القصر الجمهوري في بعبدا، انتهيا إلى إقرار الصيغة التي طرحها بري معدلة، وتحفظ عليها وزراء «الكتائب» والوزير أشرف ريفي (شخصياً)، على أن تبادر الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى طباعة البيان بصيغته النهائية وتوزيعه على الوزراء ومن ثم النواب عبر الأمانة العامة لمجلس النواب، ليصار إلى تحديد موعد لعقد جلسة الثقة النيابية، في منتصف الأسبوع المقبل(الأربعاء)، على الأرجح.
ومع إنجاز البيان الوزاري ومن ثم نيل ثقة المجلس، تبدأ رحلة الحكومة التي لن تدوم نظريا أكثر من شهرين، لتتحول إلى حكومة تصريف أعمال اعتبارا من تاريخ الخامس والعشرين من أيار، فإذا جرت الانتخابات الرئاسية، وهو احتمال ضئيل جداً، تستمر بتصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وإذا وقع الفراغ، وهو الاحتمال الأكثر رجحاناً، لا بل ربما كان الأساس في هذا الإصرار الدولي على تمرير البيان الوزاري ونيل الحكومة الثقة، لكي يكون في مقدورها أن تحكم بكل الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية إذا دخل لبنان في مرحلة الفراغ الرئاسي.
ويسجل للرئيس السنيورة أنه هو من ابتدع ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة، في حكومة العام 2008، وأعاد في آذار 2014، تثبيت ثلاثية جديدة، تتضمن الدولة (الجيش) والمواطنين اللبنانيين (الشعب) والمقاومة بكل حروفها الواضحة ولام التعريف غير القابلة للجدل، فكانت الصياغة الأخيرة التي تضمنت الآتي:
«استناداً إلى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة ابنائه، تؤكد الحكومة على واجب الدولة وسعيها لتحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتى الوسائل المشروعة. مع التأكيد على الحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الإسرائيلي ورد اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلة».
هذه الصيغة سبقتها سلسلة مشاورات واتصالات، تدرجت على الشكل الآتي:
عندما أقفلت الأمور ليل الخميس ـ الجمعة، وانتهت جلسة الحكومة باعلان تمام سلام قراره بالاستقالة مع وقف التنفيذ، عقد اجتماع رباعي مصغر في القصر الجمهوري ضم رئيسي الجمهورية والحكومة والوزير وائل ابو فاعور، ناقش كيفية إنقاذ الموقف، خاصة أن سلام كان حاسماً بعدم إعطاء مهلة جديدة، اذا انقضى يوم الجمعة من دون اقرار البيان.
طلب سلام عقد الجلسة صباح أمس، لكن رئيس الجمهورية استمهله حتى المساء، ووعده بإجراء الاتصالات اللازمة في اليوم التالي، وبناء على اتصالات مسبقة، عقد عند الحادية عشرة والنصف من قبل ظهر أمس اجتماع في بعبدا برئاسة سليمان وحضور السنيورة ونادر الحريري مدير مكتب الرئيس سعد الحريري انضم اليه أبو فاعور، وكانت ركيزة النقاش خلاله الصيغة المقدمة من الرئيس بري بالتشاور مع النائب جنبلاط.
طرح السنيورة ملاحظاته وطلب أبو فاعور مهلة للتشاور مع جنبلاط الذي وافق عليها، وتلا ذلك سعي ابو فاعور الى نيل موافقة بري وقيادة «حزب الله» على التعديلات، وتمحورت حول تفسير دور الدولة، الوسائل المشروعة والمتاحة، دور المقاومة في التحرير ومفردات أخرى بلغ بعضها حد استبدال عبارة بأخرى، مثل استرجاع واسترداد وتحرير الخ...
استمر اجتماع بعبدا الرباعي حتى الثانية والنصف تقريبا، وأمكن من خلال المشاورت التي أجراها أبو فاعور، مع المعاون السياسي لرئيس المجلس وزير المال علي حسن خليل والحاج وفيق صفا، تثبيت بعض التعديلات على صيغة بري، ليتمحور الخلاف على عبارة «مع التأكيد على حق أبنائها»(معطوفة على الدولة)، وهي العبارة التي رفضها الرئيس بري رفضاً قاطعاً وقال لخليل لا أقبل بها مهما كانت النتائج.
الموقف نفسه عبر عنه «حزب الله» بلسان المعاون السياسي للأمين العام الحاج حسين خليل الذي كان طوال ساعات نهار وليل امس على تشاور مستمر مع الوزير خليل، وقال له اذا تمسكوا بصيغة «أبنائها» نحن مستعدون لمواجهة كل الاحتمالات بما فيها تطيير الحكومة وليتحملوا هم مسؤولية تشبثهم بمواقفهم.
ونقل الحاج حسين خليل موقفاً واضحاً من السيد حسن نصرالله مفاده منح تفويض كامل للرئيس بري بإدارة معركة البيان، «وما يوافق عليه دولته من صيغ نمشي به نحن في حزب الله».
جرت اتصالات عاجلة شارك فيها النائب جنبلاط شخصياً مع رئيس المجلس، وبين جنبلاط والرئيس سعد الحريري وقيادة «حزب الله»، لكن الأمور ظلت عالقة عند رفض هذه العبارة على قاعدة أن «الأبناء» يصبحون في هذه الحالة، الجيش والامن الداخلي وأمن الدولة والأمن العام (أبناء الدولة).
توقفت المفاوضات عند هذه النقطة، وطلب تمام سلام عقد الجلسة عند السادسة عصرا، فتدخل سليمان وطلب عقدها عند السابعة، ثم طلب جنبلاط عبر أبو فاعور ساعة إضافية لإعطاء فسحة أكبر للمشاورات، خاصة مع بري والحريري، واقترح جنبلاط صيغة «حق أبناء الوطن» بدل حق «أبنائها» (الدولة) ولكن بري و«حزب الله» رفضوها...
قرابة الرابعة والنصف من عصر امس، وقبيل بدء مهرجان «البيال»، ابتدع السنيورة صيغة «الحق للمواطنين»، فرفضها بري و«حزب الله»، وتمسكوا بعبارة «الحق للمواطنين اللبنانيين في المقاومة». استوجب الأمر اتصالات شارك فيها بعض السفراء، فقبل بها سعد الحريري، ثم السنيورة على مضض، حيث اجرى اتصالا برئيس الجمهورية وقال له «إنني أضع الأمر في عهدتك يا فخامة الرئيس».
حتى أن الرئيس بري كان مجتمعاً بممثل الأمين العام للأمم المتحدة ديريك بلامبلي، فطلب الوزير خليل التحدث اليه بصورة عاجلة لابلاغه بالصيغة المطروحة، وهنا قال بري لبلامبلي ان صيغة الدولة بأبنائها التي يقترحها الرئيس السنيورة جعلت الجنوب والبقاع الغربي وراشيا عرضة للاحتلال والاعتداءات لنحو نصف قرن وذلك على قاعدة أن قوة لبنان في ضعف دولته.. وبالتالي لن نتخلى عن اي حرف من حروف المقاومة.
وعند الثامنة من مساء أمس، توافد الوزراء الى بعبدا وكان اول الواصلين تمام سلام فتوجه الى مكتب رئيس الجمهورية ليلتحق به ابو فاعور ثم جبران باسيل فعلي حسن خليل، وكان جواب موحد من الرئيس بري و«حزب الله» بأن السير بعبارة الحق للمواطنين يجب أن تكون معطوفة على عبارة اللبنانيين في المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، وبالتالي عليكم أن تأتوا بموافقة 14 آذار.. فأجرى رئيس الجمهورية وأبو فاعور مروحة كبيرة من الاتصالات ادت الى تثبيت الاتفاق على الصيغة، وتم تسويقها بالاغلبية في مجلس الوزراء.
وجاءت المفاجأة من حيث لم يكن أحد يتوقع، اذ إن الرئيس أمين الجميل ونجله سامي رفضا الصيغة المقترحة، وتدخل معهما (تحديدا مع الاب) كل من تمام سلام ورئيس الجمهورية وسعد الحريري (تحدث مع سامي ايضا) ووليد جنبلاط وفؤاد السنيورة والسفير الأميركي وممثل الأمين العام للأمم المتحدة. وتبين أن «الكتائب» قد وقعت ضحية مزايدة مسيحية وخاصة في ضوء خطاب سمير جعجع الرئاسي في «البيال» واستخدامه بعض التعبيرات اللفظية التي بدت موجهة حصراً الى حزب «الكتائب».. وميشال عون، ولو مواربة.
والمضحك المبكي أن وزيري «الكتائب» رمزي جريج وألان حكيم تنصلا أمام باقي الوزراء من «كتائبيتهم» فقالا لباقي الوزراء انهما يرفضان الانسحاب من الحكومة وانهما لم ينتميا في كل تاريخهما الى «الكتائب» أو سواها من الأحزاب.
وأدت الاتصالات التي أجراها سعد الحريري ونادر الحريري ورئيس الجمهورية مع «الجميلين» الى تأجيل قرار استقالة الوزراء الثلاثة من الحكومة والاكتفاء بالتحفظ عن مضمون البيان الوزاري وخاصة فقرة المقاومة، على ان يجتمع المكتب السياسي الكتائبي بصورة استثنائية قبل ظهر اليوم لاتخاذ الموقف المناسب.
وطلب وزير العدل اشرف ريفي تسجيل تحفظه الشخصي (وليس السياسي من موقعه كممثل لـ«المستقبل» في الحكومة)، لأن البيان لم يتطرق الى مسألة انسحاب «حزب الله» من سوريا وإلغاء مظاهر الامن الذاتي وتجاهل اعلان بعبدا.

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها