إطبع هذا المقال

المفتي قباني: ما يحدُثُ في العراق من تهجيرٍ للمسيحيين ليس من أحكامِ الإسلامِ ولفراغ والتمديد هما سبب مشاكلنا

2014-07-28

المفتي قباني: ما يحدُثُ في العراق من تهجيرٍ للمسيحيين ليس من أحكامِ الإسلامِ ولفراغ والتمديد هما سبب مشاكلنا

ادى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني صلاة وخطبة عيد الفطر السعيد في مسجد محمد الأمين في وسط بيروت، وبعدما ام المصلين، قال في خطبة العيد:

"الحمد للهِ الذي أنعم علينا بهذِهِ الصبيحِةِ المُباركة، صبيحةِ عيدِ الفِطر المبارك، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى، وأشهدُ أن سيِدنا ونبينا محمدٌ رسولُ الله صلى اللهُ عليهِ وسلم نبيُ الرحمةِ والهُدى.

أما بعدُ عباد اللهِ فقد ودعنا بالأمسِ شهر رمضان، بعد صيامٍ عن الطعامِ والشرابِ في نهارِهِ ، وصيامٍ عنِ المخالفاتِ وفعلٍ للطاعاتِ في سائِرِ أيامِهِ، وما شهرُ رمضان أيها الإخوة،

إلا شهر تربيةٍ للنفسِ على صالِحِ العملِ في السنةِ كلِها، فليس المُسلِمُ الحق من يُطيعُ الله في رمضان ويعصيهِ في سائِرِ أيامِ العام، بل المسلمُ الحق هو الذي يكونُ على طاعةِ اللهِ في كلِ أيامِ عُمُره على الأرض، كي لا يندم يوم خروجِهِ من الدُنيا ويقول: "ربِ ارجِعوني لعلِي أعملُ صالحاً فيما تركت".

إن وحدة الأُمةِ أيُها الإخوة، هي أهمُ أسباب القوةِ في حياةِ الأُمة، وإننا لنعلمُ جيداً من تجربتِنا نحنُ العرب والمسلمين واللبنانيِينن، عُمق ما فعلتهُ الفُرقةُ فينا من ضعفٍ وتخاذُلٍ جعلنا ندفعُ أثماناً باهظةً في الهزائِمِ المُتلاحِقةِ بِنا.

ففِلسطينُ التي ضاعت حتى الآن، ضاعت بسببِ تفرُقِنا وضعفِنا واختِلافِنا، وها هي تدفعُ اليوم في غزة آلاف الشُهداءِ والجرحى من أبنائها ثمناً لتفرُقنا وتخاذُلِنا، لأننا لم نعمل خلال ستين عاماً من احتلالِها، لتحقيقِ الوحدةِ في أُمتنا، وتمكينِ أنفُسِنا من امتِلاكِ القوةِ في وجهِ العدُو اليهوديِ الأجنبيِ الذي يحتلُ أرضنا، ويستبيحُ أرواحنا، ويدمِرُ عُمراننا في فلسطين واليوم غزة.

والمحتلُ اليهوديُ الأجنبيُ لفلسطين أيُها الإخوة، الذي أزعجهُ مشهدُ المُصالحةِ الفلسطينيةِ المُباركةِ بالأمس، إذا بهِ اليوم، يشُنُ أجرم حروبِهِ على الفلسطينيين تأديباً لهم على تجرُوئهم على تحقيق وحدتِهِم في وجه احتلالِهِ لفلسطين، وها نحنُ اليوم على خوفِنا وضعفِنا وتخاذُلِنا نتفرجُ على مجازِرِ اليهوديِ الأجنبيِ المحتل بِحقِ أينائنا في غزة، وأقصى ما نفعلُهُ هو الإدانةُ والاستنكارُ بالكلام، فمن لفلسطين وشعبِ فلسطين؟ من لأبنائنا وبناتنا وأُمهاتِنا وأطفالنا في فلسطين؟ أسلامٌ مع عدُوِكُمُ الأجنبِيِ المُحتلِ لأرضِكُمُ المُقدسةِ في فلسطين يا عرب؟ أين أنتم من الرِباطِ الذي أمركُمُ اللهُ ورسولُهُ بهِ إلى يوم الدين في بيتِ المقدس وأكنافِ بيت المقدس؟ واللهُ يقولُ لكُم في القُرآنِ الكريم: "يا أيُها الذين آمنوا اصبِروا وصابِروا ورابِطوا واتقوا اللهُ لعلكُم تُفلِحون"؟

أين أنتُم من الجهادِ بأنفُسِكم وأموالِكم في سبيل الله ضد عدوِكُمُ الصهيونيِ الأجنبيِ الذي يحتلُ أرضكُمُ المقدسة في فلسطين؟ باللهِ عليكُم هل أطعتُمُ أمر اللهِ في قولِهِ لكُم: "وأعِدُوا لهُم ما استطعتُم من قوةٍ ومِن رباطِ الخيلِ تُرهِبون بهِ عدُو اللهِ وعدُوكُم"؟، أم أن إعداد القوةِ والقُببِ الحديديةِ هو لعدُوِكُم، وأنتُم لكُمُ سلامُ الشُجعانِ فقط؟ ماذا فعلتم لمُقاومةِ عدُوِكُمُ اليهوديِ الأجنبيِ المحتلِ لفلسطينِكُم؟ ماذا فعلتُم لكسبِ ميزانِ القِوى لصالِحِكُم؟ وأنتُم أصحابُ الحقِ والأرض؟ أين هُم ورثةُ عُمر وصلاحِ الدينِ الأيوبي اللذينِ حررا لكم فلسطين؟ والحمدُ للهِ الذي جعل فيكم من ينهضُ لمواجهةِ عدُوِكم وقال اللهُ تعالى فيهِم في القرآن الكريم: "مِن المُؤمنين رجالٌ صدقُوا ما عاهدُوا الله عليه فمِنهُم من قضى نحبهُ ومِنهُم من ينتظِر وما بدلُوا تبديلاً".

أيُها الإخوةُ المؤمنون، إسمعوا وعُوا جيِداً، إن الجهاد لتحريرِ الأرضِ المقدسةِ فلسطين، مِن الاحتلالِ اليهوديِ الأجنبي، هو فرضُ عينٍ على كلِ مُسلمٍ مهما بلغتِ التضحيات، ومهما طال أو قصُر الزمن، فالشعوبُ لا تبيعُ أوطانها، ولا تتنازلُ عن شِبرٍ منها لقاء سلامٍ باطل، مع عدُوِ أجنبيٍ محتلٍ لأرضِها، هذا هو الحقُ، وهذا هو الشرعُ، وهذا هو الإسلام، وهذا هو الدين، ألا هل بلغت، اللهُم فاشهد، ألا فليُبلِــغِ الشاهِدُ منكُمُ الغائب، فمن بدلهُ بعد ما سمِعهُ فإنما إثمُهُ على الذين يُبدِلونهُ إن الله سميعٌ عليم.

الإسلامُ هو روحُ حياتِنا وجوهرُها، هُو مِيثاقُنا وعهدُنا مع الله، هو الذي إن تمسكنا به قوِينا وفُزنا، وتمسُكُنا بالإسلام يعني تسليمنا للهِ بتعاليمِهِ والعملِ بها، فالإسلامُ يعلمنا الدين والعلم والعمل، والأخلاق والأدب، مع بعضِنا مسلمين وغيرِ مسلمين في أوطانِنا، والقرآنُ هو الميزانُ الوحيدُ الذي يجبُ أن نقيس به أعمالنا، ونلقى عليهِ ربنا.

وما يحدُثُ اليوم في الموصِلِ في العراق من تهجيرٍ للمسيحيين العراقيين من أرضِهِم وبيوتِهم وأحيائِهم وقُراهم، وتخييرِهِم بين اعتناق الإسلام أوِ الرحيلِ أوِ القتل، ليس من أحكامِ الإسلامِ في المواطنين في أوطانِهِم، والإسلامُ قد علمنا كيف نتعاملُ مع الآخر الذي يعيشُ معنا ونعيشُ معهُ في وطنٍ واحد، ونجدُ معهُ ويجِدُ معنا الأمن والأمان؛ وما يحدُثُ اليوم في الموْصِلِ يا سادة، سيعودُ بالخرابِ والويلاتِ على العربِ والمسلمين واللهُ أعلمُ لا محالة، ما هو إلا مُقدِماتُ الخرابِ والتقسيم وتفتيتُ الأُمة خدمةً للمُخططاتِ الغربيةِ وأهدافِ الصهيونيةِ العالمية.

وما يجري في الموْصِل اليوم ليس ببعيدٍ عما يجري اليوم في غزة، فالكيانُ العبريُ الأجنبيُ المُحتلُ اليوم لفلسطين، الذي يظهرُ كدخيلٍ على المنطقةِ العربية، سيُصبحُ غداً طبيعياً في محيطٍ تنتشرُ فيهِ دُولُ الطوائِفِ والمذاهبِ والأديانِ المختلفة، في ظل مؤامرة الشرق الأوسط الكبير، وإعادة تشكيل المنطقةِ العربيةِ من جديد، الذي بشرت به وزيرة الخارجية الأميركية "كونديليزا رايس منذُ سنين، وتخويفُ المسيحيين وتهجيرُهم من العراقِ اليوم سيدفعُ بِهم للعملِ على قيامِ دولةٍ أو أكثر للمسيحيين في مشرِقِنا العربي، وقيامِ دُولٍ أيضاً لِلسُنة، وأُخرى للشيعةِ أوِ لِلدُروزِ أو لِلعلويين، ألا فتنبهوا أيُها العربُ والمسلمون، فالمؤامراتُ كثيرةٌ وكبيرة، وأنتُمُ الضحية، وعدُوُكُم لا ينامُ، وأنتُم عنهُ غافِلون.

لا يُمِكنُنا في صبيحةِ العيد إلا أن نتساءل، كيف هو العيدُ اليوم في غزة؟ كيف هو العيدُ في فلسطين، بل في الأُمةِ كلِها؟ كيف هو العيدُ في العراق وفي اليمن والسودان وليبيا؟ وما حالُ العيدِ في سوريا؟ وكيف هو العيدُ على إخوانِنا النازحين من سوريا؟ بل كيف هو العيدُ على لبنان واللبنانيين؟

دعُونا لا نغفُلُ عن واقِعِنا اللبنانيِ الداخِلي، حيثُ غمامةُ الفراغِ تغشى الجميع، وسياسِيُونا قد أغراهُمُ الِاستكبارُ والاستعلاءُ والتفرُدُ في كلِ شيء فتمادوا في الخصام، واللبنانيُون يرزحُون تحت كاهلِ الفقرِ والجوع، وهم يتخبطون في بحثهِم عن رئيسٍ للجمهورية، والواقِعُ الاقتصاديُ والحياتيُ يزيدُ الناس جوعاً وفقراً، والحل يا ساستنا هو في وحدتِنا ونبذِ الخلافاتِ والمصالحِ الضيِقة، الحل هو في الابتعادِ عن الدورانِ في فلكِ الأقطابِ الاقليميةِ والدُولية، وفي الإقلاعِ عن سياسةِ الانتظار.

الحل هو بالالتفات إلى شؤون الدولةِ وإنجازُ الاستحقاقاتِ التي هي عمادُ نظامِنا الوطني، لاسيما انتخابُ رئيسٍ للجمهورية، وانتخابُ مجلسٍ نيابي جديد بعد قانونٍ للانتِخابِ يمثِلُ الجميع لا الأكثرية فقط، فالفراغُ والتمديدُ المُتمادي على كل صعيد، حتى على صعيدِ مجالسنا الشرعية هو سببُ مشاكلنا كلِها؛ وإنجازُ الاستحقاقاتِ اليوم هو الذي سيُمكِنُ الدولة من استعادةِ دورِها لخدمةِ اللبنانيين ووطنِهِم، فسابِقوا أيُها اللبنانيون للنجاةِ بوطنِكُم قبل أن يغرق المركب بنا جميعاً، ونندم حين لا تنفعُنا حسرةٌ ولا ندامة، واللهُ يحكُمُ لا مُعقِب لحُكمِهِ وهو سريعُ الحساب، فقُطِع دابِرُ القومِ الذين ظلموا والحمدُ للهِ ربِ العالمين، أقولُ هذا القول وأستغفِرُ الله لي ولكُم، وتوبوا إلى اللهِ جميعاً أيُها المؤمنون لعلكم تفلحون". 

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها