إطبع هذا المقال

نصرالله : لو لم نقاتل بالقصير والقلمون لكان داعش وصل لبيروت والساحل

2014-08-15

 
نصرالله : لو لم نقاتل بالقصير والقلمون لكان داعش وصل لبيروت والساحل

أكد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن لو لم يقاتل حزب الله بالقصير والقلمون لكان تنظيم "داعش" قد وصل الى بيروت والساحل ، معتبرا أن "المزاج الشعبي بات اكثر تقبلا لقتالنا ضدّ التكفيريين".

وأشار نصرالله في الجزء الثاني من حديثه لصحيفة "الاخبار" الذي ستنشر تفاصيله غدا الى أن الرعاية اللبنانية للجماعات المسلحة في سوريا ما زالت قائمة ، لافتا الى أن"وتركيا وقطر تدعمان "داعش " وأنا مقتنع بخشية السعودية منها".

 

التفاصيل

«داعش» إلى السعودية والأردن وتركيا بعد كردستان!


يقف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في قلب المعركة التي ستحدد نتيجتها مستقبل المشرق العربي. هي امتداد للحرب التي أريد من ورائها نقل سوريا من محور إلى آخر. لكن الوجه الجديد لها لا يمثل خطراً على سوريا وحدها. العراق في قلب المشهد المظلم، الذي ينذر لاعبه الأبرز، تنظيم «داعش»، بالتوسع نحو السعودية والأردن، وربما تركيا. ليس نصرالله لاعباً ثانوياً في ما يدور في المشرق، بل في الصف الأمامي لصناع القرار. وهو يتابع أعداءه الجدد بالمنظار عينه الذي رأى فيه عدوه الدائم، إسرائيل. لا يستهين بقدراتهم، ولا يبالغ فيها. في الحلقة الثانية من المقابلة التي خص بها «الأخبار» في ذكرى الانتصار على العدو الاسرائيلي، يكمل السيد سرد رؤيته لما يجري في المنطقة، من مهرجان الانتصار عام 2006، إلى خطاب ابي بكر البغدادي في مسجد الموصل... وما بعده


■ هناك من يقول إن حزب الله بدأ كحركة إسلامية لا تعترف بحدود، ثم تحوّل في مرحلة لاحقة إلى حركة مقاومة وطنية ذات طابع إسلامي، قبل أن يتحول الآن إلى حركة مقاومة عابرة للدول بعد القتال في سوريا والحديث عن الوجود في العراق واليمن. إلى أيّ حد، هذا الكلام دقيق وصحيح؟ وإلى أي مدى توافقون عليه؟

بمعزل عن النقاش الفكري والسياسي، أحب أن أعرض الأمور كما هي. الذهاب للقتال في سوريا هو، في الدرجة الأولى، للدفاع عن لبنان وعن المقاومة في لبنان وعن كل اللبنانيين من دون استثناء. وقد جاءت حادثة عرسال الأخيرة لتؤكّد رؤيتنا، حتى لو أراد خصمنا المكابر أن يقرأها من زاويته.

قال البعض إننا ذهبنا إلى حرب استباقية في سوريا. لا أجد التعبير دقيقاً لأن الحرب كانت على حدودنا. اليوم، هناك البعض في قوى 14 آذار ممن لا يكفّ عن الحديث عن السيادة وعدم التدخّل، لا يعرف، مثلاً، أن جرود عرسال الممتدة على عشرات الكيلومترات وجرود بقاعية أخرى تحتلها جماعات مسلحة سورية منذ بداية الأحداث.
وقد أنشأ هؤلاء معسكرات تدريب وغرف عمليات ومشافي ميدانية ومعسكرات وتجمّعات داخل الأراضي اللبنانية، حتى قبل أن يذهب أي مقاتل من حزب الله إلى سوريا. يقولون لنا: ذهبتم فجاؤوا. يا أخي، هم جاؤوا منذ زمن. الأمر لا يتعلق بحرب استباقية. القصير هي على الحدود، ومن المقطوع به والذي يتأكد يوماً بعد يوم أنه لولا حرب القصير، سريعاً ما كانت الجماعات المسلحة ستدخل إلى الهرمل وإلى منطقة البقاع الشمالي. قتالنا في سوريا لا ينفي البعد الوطني عن المقاومة لأننا ندافع عن وطننا على الحدود. صحيح أننا دخلنا إلى بعض الأماكن في سوريا، لكن المعركة، أساساً، في المناطق الحدودية.
الأمر الأهم أن الخطر الآن يستهدف الجميع. ما كنا نتحدث عنه قبل ثلاث سنوات، بات الجميع اليوم يتحدث عنه، حتى الخصوم يقرّون بأن ما يجري في المنطقة يهدّد الكيانات والدول والمجتمعات والشعوب، ويهدد المنطقة بأسرها، وبات يهدد مصالح الدول الكبرى في العالم. اليوم، أعتقد أن هناك واجباً على كل من يستطيع أن يكون جزءاً من هذه المعركة للدفاع عن لبنان وسوريا والعراق وفلسطين والمنطقة والقضية الفلسطينية، وعن المسلمين والمسيحيين والأقليات الدينية. كل البحث الفكري والاستراتيجي والتكتيكي والتنظير السياسي والفكري دعوه جانباً.


هزيمة «داعش» ممكنة

هناك خطر كبير يجتاح ويتقدم ويرتكب مجازر مهولة، لا ضوابط لديه ولا عوائق أو حدود بالمعنى الفكري والأخلاقي والشرعي والإنساني. هناك وحش فالت من عقاله في المنطقة، فإذا خرج أحد ليقاتل هذا الوحش ويمنعه من افتراس شعوب المنطقة ودولها وكياناتها، هل يجب أن يشكر أم يدان؟ أمّا من اخترع هذا الوحش ومن ربّاه ونمّاه فهو بحث آخر نصل إليه لاحقاً. لا يزال لديّ رهان بأنه سيأتي وقت سيقول لنا خصومنا والمكابرون اليوم: أنتم على حق، ومشكورون.

■ يعني هل أنتم واثقون بأن هذا سيحصل؟
المزاج الشعبي تغيّر. السياسيون هم آخر من يمكن أن يتغيّر مزاجهم لأن لديهم حسابات مصالح، لنأخذ عرسال مثلاً. هل مزاج أهلها اليوم هو نفسه كما كان قبل الأحداث الأخيرة؟ نسمعهم على الشاشات، كما نسمع بعض قادة تيار المستقبل، يسألون: أهكذا تكافأ عرسال التي استقبلت النازحين وآوتهم؟ بالطبع، البعض في عرسال قدّم أكثر من ذلك، وحوّلها قاعدة عسكرية متقدمة للجماعات المسلحة، بدليل بيان «جبهة النصرة» بعد الأحداث الذي أشار الى الخطأ الذي ارتكبوه في عرسال بسبب ما تمثّله بالنسبة إليهم. ما قدمته عرسال ــــ ولا نقول أهل عرسال ــــ كجغرافيا وكموقع جغرافي للمعارضة المسلحة لم يقدمه أي مكان في لبنان. كيف كافأ هؤلاء أهل عرسال؟ حتى قبل المعركة الأخيرة، كانت مجموعات مسلحة تدخل الى داخل البلدة لتسرق وتنهب وتقتل وتخطف. أهل عرسال حتى قبل الأحداث الأخيرة طالبوا بالحماية لأن الحاكم الفعلي هناك «داعش» و«النصرة».
خذ مزاج المسيحيين في لبنان. ألم يتغيّر؟ في البقاع الشمالي، لا يوجد اليوم مسيحيو 8 آذار ومسيحيو 14 آذار. كل من يريد أن يحافظ على بيته وقريته وأملاكه كان حاضراً ليحمل السلاح الى جانب الجيش في مواجهة جماعات المعارضة السورية المسلحة. هنا لا يوجد نقاش. معطيات الميدان و«الضيع» تقول هذا. هذا المزاج موجود اليوم في كل لبنان. لكن هناك شخصيات سياسية لديها مصلحة بالمكابرة. اليوم، هناك من يقول إنهم سيخوضون معركة ضد التطرف والتزمت والإرهاب. حسناً، ترجموا لنا من تعنون؟ إذا كانت الحكومة اللبنانية لم تضع حتى الآن لائحة إرهاب، فإن هناك من وضع مثل هذه اللائحة وحدّد من هم الإرهابيون.

■ هل موقف النائب وليد جنبلاط في هذا السياق؟
ــــ بالتأكيد، هذا جزء من الاعتبارات لديه. هذا الوحش المسمّى «داعش»، لا تصنيفات للناس لديه بين صديق وخصم وحليف وعدو، ولا ضوابط. محاربة هؤلاء ليست موضوع سلاح ومواجهة ميدانية. الميدان ينبني على فكر واعتقاد وإيمان وثقافة وعواطف ومشاعر. ليس بالأمر السهل أن يصل أحد الى ما وصل إليه هؤلاء من حقد وضغينة وجهوزية نفسية لسفك الدماء بهذه الطريقة. أين يوجد مثل هذا في التاريخ؟ «داعش»، على ذمة الأمم المتحدة، دفنوا الأطفال والنساء الأيزديين أحياء. نراهم يتفنّنون في الذبح. كيف وصلوا الى ذلك؟ هذا الفكر تم الاشتغال عليه لسنوات حتى وصل الى هذا المستوى.
في النتيجة، هذا الخطر من يتهدّد اليوم؟ انظر تجربة «داعش» في سوريا. قتلوا كل من سواهم. في العراق، هناك من يقول إن الحرب سنية ــــ شيعية. كم يوجد من الشيعة في كل من نينوى وصلاح الدين؟ هؤلاء قتلوا أئمة مساجد سنّة وشيوخ عشائر سنّة لأنهم رفضوا بيعة الخليفة، وشردوا قسماً كبيراً من أهل السنّة وهدموا مساجدهم ومراقدهم ومزاراتهم قبل مراقد الشيعة ومزاراتهم، فضلاً عما فعلوه بالأقليات الدينية الأخرى، كالمسيحيين والأيزديين. أيّ منطق في الدنيا يسمح بأن يهجَّر عشرات الآلاف الى الجبال، ويحاصروا ليموتوا عطشاً وجوعاً تحت مرأى العالم ومسمعه.
هذا الخطر لا يعرف شيعياً أو سنياً، ولا مسلماً أو مسيحياً، أو درزياً أو أيزدياً، أو عربياً أو كردياً. وهذا الوحش ينمو ويكبر. هناك جبهات معينة في سوريا والعراق فيها صمود ضد «داعش»، وهناك جبهات أخرى تشهد تحسناً ميدانياً موضعياً، في مدينة هنا أو قرية أو بلدة هناك. لكن يبدو أن الإمكانات والأعداد والمقدرات المتاحة لـ«داعش» ضخمة وكبيرة، وهذا ما يثير قلق الجميع، وعلى الجميع أن يقلق.

 

الأكراد، مثلاً، كانت لديهم حسابات خاطئة. عندما حصل ما حصل في الموصل، دخل الأكراد الى مناطق متنازع عليها عراقياً، واعتبروا أنفسهم غير معنيين بالتدخل في أي مكان آخر، وأن هذه مسؤولية بقية العراقيين، من شيعة وسنّة وأيزيدية ومسيحيين، وأن على هؤلاء أن يتدبّروا أمورهم. كان اعتقاد القيادة الكردية بأن «داعش» ستصل الى حد ما وتقف عنده، وأن ليس هناك ما يتهدد إقليم كردستان. ربما كان منشأ ذلك تحليلاً أو وعوداً وضمانات قدمتها «داعش» أو رعاتها الإقليميون. لكن ما حصل أن «داعش» باتت على مسافة 30 إلى 40 كلم من أربيل، ما اضطر القيادة الكردية الى رفع الصوت وطلب مساعدة أميركية وغربية وإيرانية وعراقية وغيرها. إذاً، ليس هناك حدود لـ«داعش»، وهناك خطر حقيقي، وخشية حقيقية لدى دول وجهات كثيرة، لأن من «مميزات» هذا التنظيم قدرته على استقطاب كل أتباع الفكر القاعدي والفكر الوهابي. أين المشكلة في أن يتحوّل ابن «النصرة» الى «داعش»؟ لا مشكلة في الأمر لأنهما يمتلكان العقيدة والفكرة والأدبيات والسلوكيات والممارسات نفسها. خلافهم تنظيمي على الإمارة بين أبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي. وبالتالي، إذا وجد ابن «النصرة» أن أهدافه تحققها «داعش» فسيلتحق بها، ولدى «داعش» القدرة على تذويب «النصرة»، ليس عسكرياً بالضرورة، بل بانضمام أتباع «النصرة» الى «داعش». أتباع هذا الفكر التكفيري الوهابي جرى الاشتغال عليهم عشرات السنين، وبذلت عليهم مليارات الدولارات. هؤلاء، في أي مكان من العالم، سيجدون في «داعش» الأُمنية والأمل والمشروع والمستقبل. بعض الدول تعرف ماذا أوجدت وربّت، ولذلك تشخيصها لخطر «داعش» أكبر وأهم وأدق من تشخيصنا مثلاً، لأنهم يعرفون ما لديهم. اليوم، بمعزل عن المبالغة، هناك رعب حقيقي في داخل دول الخليج وفي السعودية، لأن هذا الفكر هو الذي يلقّن منذ عشرات السنين للناس، في المدارس وفي المناهج التعليمية. لذلك نقول إن هناك خطراً كبيراً وإن الجميع يجب أن يقلق. هناك خطر حقيقي على كيانات ومجتمعات ودول وشعوب، وقطعاً كل الأقليات الدينية في خطر، وداخل الدائرة الإسلامية كل الأقليات المذهبية هي في خطر، وكل السنّة الأشاعرة ــــ وهم أغلب السنّة ــــ في خطر حقيقي. الخطر على دماء كل هؤلاء وأموالهم وأعراضهم وأطفالهم ونسائهم ومقدساتهم. لا نريد أن نفتعل حالة رعب عند الناس. هذا الخطر، بالتأكيد، يمكن مواجهته والتغلب عليه وإلحاق الهزيمة به. لكن الأمر في حاجة الى جدية. نحن في القصير والقلمون وغيرهما لم نقاتل «الجيش الحر» وأصحاب الفكر العلماني أو الليبرالي، بل قاتلنا هذا الفكر وهزمناه. لكن المطلوب من الناس أن تأخذ موقفاً، وأن تعي وتنتبه.

■ عودة الرئيس سعد الحريري، هل هي بداية استشعار سعودي بضرورة لملمة الوضع، وتسليمه قيادة تيار الاعتدال في وجه الإرهاب؟
هذا ممكن.

■ في لقاءات أخيرة لك مع شخصيات سياسية، توقعت هجوم «داعش» في اتجاه كردستان قبل وقوعه. برأيك، لماذا اتجهوا شمالاً، ولماذا حيّدوا السعودية والأردن وتركيا؟
سيأتي وقتهم جميعاً. حيث يوجد أتباع للفكر التكفيري توجد أرضية لـ«داعش»، وهذا موجود في الأردن والسعودية والكويت ودول الخليج. وإذا كان من دولة تعتقد بإمكان دعم هذا التنظيم وتوظيفه، عندما تصل «النوبة» إليها فلن ترحمها «داعش». لكن هذا كله له علاقة بالمعطيات الميدانية والجغرافية. حتى الأتراك مشتبهون. في كل الأحوال، هل داعش نزلت بالباراشوت من السماء؟ المقاتلون الذين جاؤوا من كل أنحاء العالم معروف من أي حدود دخلوا ومن أعطاهم تسهيلات ومن زوّدهم بالمال والسلاح والإمكانات. رأيُنا كان، منذ البداية، أن طابخ السم آكله. هذه أفعى هم أوجدوها وكبرت في حجرهم وانقلبت عليهم، كائناً من كانوا، سواء الأميركيون أو الأتراك أو الدول الخليجية. من يعتقد بأنه يستطيع أن يدير هذه اللعبة ويتحكم بأدواتها أو مساراتها فهو واهم ومشتبه.
■ أليس هناك مسؤولية على الجيشين السوري والعراقي في مسألة نمو «داعش» وعدم التصدي لها مبكراً؟
لا يمكن أن تلوم سوريا لأنها ذهبت الى المواجهة منذ البداية مع الجماعات المسلحة، بمعزل عن أسمائها وعناوينها.

■ ألم يحيّد الجيش السوري «داعش» في فترة من الفترات؟
لم يكن هناك تماس بين الجيش السوري و«داعش». في الموضوع العراقي، هناك نقاش كبير. ما جرى في الموصل من الموضوعات الخطيرة، ولم يكن من بطولات «داعش». وإلا لماذا جرى وقف الزحف في كثير من الأماكن بمجرد جهود بعض القوى الرسمية والشعبية العراقية؟

■ برأيكم، هل تم إيقاف الزحف صوب بغداد؟
بحسب معلوماتي، نعم إلى درجة كبيرة.

■ ما هو رأيك في ظهور أبو بكر البغدادي إعلامياً؟
ليست سياسته أن يطلّ إعلامياً، لكن أعتقد أنه أطلّ ليعالج مشكلة فقهية. لأنه عندما طرحت «داعش» خلافته، حصل نقاش في العالم الإسلامي بين علماء السنّة أنه كيف يُمكن أن نبايع شخصاً لا نعرف اسمه، لا نعرف شخصه، ليس لدينا معلومات عنه أو أي معطيات، لأنه لا تجوز بيعة المجهول، يجب أن نبايع معلوماً. اضطر إلى أن يخرج حتى يُصبح معلوماً ويفتح باب البيعة، هذه الحيثية بطبيعة الإدارة والحركة.
بالنسبة إلى مسألة إعلان نسبه أنه قرشي، فمردهّ إلى أن هناك حديثاً يقول إن الأئمة من قريش. فبحسب المذاهب الفقهية، يجب أن يكون الخليفة من قريش، بينما أمير بلد، كملك أو أمير أو رئيس، فهم يعتبرونه ليس خليفة المسلمين. خليفة المسلمين يجب أن يكون قرشياً. ولأن مشروع أبي بكر البغدادي هو مشروع خلافة، عليه أن يقول لهم أنا قريشي حتى تصحّ البيعة له. وهو يريد أن يقول أنا قرشي من أهل البيت، لأن موضوع أهل البيت عند الشيعة وعند السنّة له أثر بارز؛ عند السنّة هناك محبّة لأهل البيت واحترام لأهل البيت، ولا يوجد نقاش في هذا الموضوع. هناك شريحة خاصة، ولذلك بالتمييز أحياناً تحصل مغالطات. فمثلاً عبارة «النواصب» أو «الناصبي» هذا ليس مصطلحاً شيعياً، هذا مصطلح إسلامي يستخدمه علماء الشيعة وعلماء السنّة ويقصدون به من ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام، يعاديهم، يحقد عليهم، يسيء إليهم، يشتمهم. هذا ليس مصطلحاً شيعياً، وإذا نظرت في كتب الرجال عند العلماء السنّة التي تقيّم رجال الأحاديث، يقال إن فلاناً كان ناصبياً، هم يستخدمون المصطلح. فالنواصب هم حالة خاصة. عموم أهل السنّة محبّون لأهل البيت عليهم السلام ويحترمونهم، وتتفاوت هذه المحبّة من بلد إلى آخر. لذلك يقول أنا قرشي وأنا كذلك من أهل البيت. أنا لا أعلم إن كان حقيقة ما يدّعيه، هل هو حسني أم حسيني أم قرشي؟ الله أعلم.

 

لو لم نقاتل في القصير والقلمون لوقعَت المعركة في بيروت والساحل


■ هل يشعر حزب الله بأنه مسؤول عن الشيعة العرب (الاثني عشرية والإسماعيليين والعلويين، إلخ...)؟
دائماً، كان هناك من يحرص على أن يأخذنا الى هذا التوصيف. الحزب كان مطروحاً وطنياً وعلى مستوى المنطقة كمقاومة ضد إسرائيل، وحقق في هذه المعركة إنجازات عظيمة وانتصارات كبيرة، وكان واضحاً لدى الحكومات العربية وكل القوى السياسية أن الحزب من القوى الجدية، إن لم يكن الأكثر جدية، التي أخذت على عاتقها مواجهة المشروع الصهيوني.

وبالتالي، لا نقاش في صلة حزب الله بالصراع مع العدو الإسرائيلي، وبالوقائع الميدانية داخل فلسطين. لذلك، عندما أتت تطورات المنطقة، جرت محاولات الاستخدام في كل ساحة. في مصر، لأنه لا يوجد سنّة وشيعة، أعطيت المعركة عنوان معارضة ونظام. الأمر نفسه في ليبيا وتونس. لكن في العراق، ذهبوا الى التحريض الطائفي والمذهبي، ومعروفة الدول ووسائل الإعلام التي أخذت العراق الى هذا التحريض، حتى في ظل الاحتلال الأميركي وبعد انسحاب الأميركيين. وعندما بدأت الأحداث في سوريا، كذلك، حولوا الصراع الى صراع طائفي ومذهبي بالتعبئة والتحريض والخطابات واستنهاض مقاتلين من كل أنحاء العالم.

 


المعركة في سوريا تعطينا إضافات نوعية في أي معركة مع العدو الإسرائيلي

بالنسبة الى حزب الله، عندما يقدم أي مساعدة أو مساندة في أي ساحة من الساحات، فإن حساباته لا تكون طائفية، بل انطلاقاً مما نسميه معركة الأمة ومشروع الأمة ومصلحة أوطاننا وشعوبنا. على سبيل المثال، عندما احتل الأميركيون العراق، جزء كبير من المزاج الشعبي العراقي لم يكن مع المقاومة بسبب ظلم صدام حسين للشعب العراقي، وبسبب الحروب المتتالية والحصار. هذا طبيعي لأن الشعب كان منهكاً. ولكن، وهذا لم يعد خافياً، من الذي سخّر خطابه السياسي وكل إمكاناته الاعلامية وعلاقاته واتصالاته، منذ اليوم الأول، وصولاً الى العلاقة الميدانية مع المقاومة العراقية، وخصوصاً في الدائرة الشيعية؟ حزب الله لم يذهب ليعمل مع المزاج الشيعي، بل ذهب ليعمل على هذا المزاج، وعلى أي هامش متاح لمقاومة الاحتلال الأميركي في العراق. انطلقت المقاومة في العراق، وجزء كبير منها كان، بين هلالين، مقاومة شيعية، بمعنى أن الفصائل التي تقوم بعمليات المقاومة هي تنتمي الى أبناء الشيعة العراقيين. عدد كبير من هذه العمليات صُوّر ووُثِّق بالفيديو، ورفضت الفضائيات العربية، «الجزيرة» و«العربية» وغيرهما، نشرها. أليس هذا غريباً؟ لماذا؟ لأنهم لا يريدون ــــ وهذا ليس اتهاماً للسنّة بل لبعض الأنظمة ــــ الإقرار بوجود مقاومة من الشيعة لها علاقة بالمقاومة العراقية.
إذاً، منذ البداية، هم ذهبوا في الموضوع العراقي، وفي السوري واللبناني، إلى التحريض المذهبي. يصرّون على أن المقاومة في لبنان شيعية. نقول لهم هذه مقاومة لبنانية وطنية لكل اللبنانيين. صودف أن الشيعة وجدوا على حدود كيان العدو، لذلك يقاتلون، إلا أنهم يصرّون على أننا مقاومة شيعية وإيرانية وغير ذلك. من يرد أن يستمر في هذا التوصيف «يصطفل». بالنسبة إلينا، كنا حريصين منذ البداية على التأكيد أن تواجدنا في سوريا ليس على أساس طائفي، وأننا ساعدنا المقاومة في العراق على أساس غير طائفي أيضاً. ونحن ساعدنا حماس والجهاد والفصائل الفلسطينية وهم سنّة. دائماً يراد التغطية على مساهمتنا الفلسطينية ليعطونا العنوان الطائفي والمذهبي. نحن نقول: حيث يوجد دفاع عن فلسطين، وعن محور المقاومة، وعن الناس، وحيث نستطيع أن نكون موجودين ويمكننا أن نساعد، سنفعل. إذا كانت لدى حزب الله إرادة الدفاع عن أهله وشعبه وقضية أمته، ومستعد أن يفعل ذلك، فهذا ليس جريمة أو ذنباً. السؤال يجب أن يوجّه الى الآخرين: لماذا لا تتحمّلون المسؤولية ولا تدافعون؟
لو لم يقاتل حزب الله في القصير وفي القلمون، لم تكن المعركة الأخيرة في عرسال فقط. كان البقاع «خلص»، وكانوا وصلوا الى الجبل وعكار والساحل، ولكانت المعركة في بيروت والجنوب. هذا أكيد. تقديم شهداء لحفظ كل هذه الأنفس والأعراض والدماء والأموال واجب عقلي وديني وشرعي وأخلاقي ووطني وإنساني.
■ قلت إن حزب الله هو حالة وليس حزباً، وبالتالي هو يمثل كل الشيعة، وخصوصاً في الجو الحالي. هؤلاء في أوقات الرخاء قد يكونون مع المقاومة، ولكن ربما ضد الحزب في العمل التنموي مثلاً أو البلدي أو النيابي. وبالتالي فإن حزب الله متهم بأنه متسلط على الشيعة؟
لا يمكنني أن أسلّم بهذا التوصيف. ولكن على كل حال، هذه النتيجة طبيعية. حزب الله هو مجموعة بشرية. هناك ميدان تضحيات يعمل فيه، لذا يمكن أن تجد كل الناس معه، كموضوع المقاومة. أما عندما تذهب إلى الميادين الأخرى، فهذا الوضوح يمكن ألا يكون موجوداً عند الناس كما في ميدان المقاومة. العاملون في الميادين الأخرى قد يرتكبون أخطاء. الفارق أنه في مساحات معينة من العمل قد يظهر الخطأ، وفي مساحات أخرى قد يرتكب العاملون أخطاءً لا يراها الناس. في كل الأحوال، من الصعب أن تكون هناك مجموعة بشرية، قد يكون اسمها حزباً أو تياراً، تعمل في كل المجالات وترضي الناس جميعاً، أو تعبّر عن كل طموحاتهم، أو عن كل آمالهم وتوقعاتهم.
هناك في حزب الله مميزات كثيرة، على مستوى الأخلاق والجدية والالتزام والوفاء، لكن أيضاً هؤلاء بشر، لهم إمكاناتهم وقدراتهم، مع العلم بأننا في مساحات كثيرة حريصون على أن نشكل وننوعّ ولا نتحمل المسؤولية وحدنا، ومن جملة الأمور الموضوع البلدي. هناك الكثير من رؤساء البلديات، لا أستطيع القول إن حزب الله يتحمل تبعات تجربتهم، حتى ولو كانت إيجابية. يمكن أن يكون سبب الإيجابيات شخصياً أكثر مما هو برمجة عمل. في موضوع البلديات، هناك تقاليد وعادات، حتى حزب الله لم يستطع الخروج منها، هي موضوع التمثيل العائلي. المجالس البلدية، حتى المحسوبة على حزب الله، لا تستطيع أن تقول إن هذه مؤسسات حزب الله. ولذلك في هذا المجال، يحتاج الإنسان دائماً إلى التطوير. وأيضاً سلوك الأفراد وسلوك المسؤولين الذي يتفاوت بين منطقة وأخرى وبين شخص وآخر، وقناعاتهم، مزاجاتهم، كل هذه الأمور مؤثرة. يبقى موضوع المقاومة. وأنا مع فكرة أنه لا توجد مشكلة حتى لو الناس فصلوا، طبعاً لا أعني فصلاً تاماً. قد يقول لك شخص ما: في موضوع المقاومة أنا مع حزب الله، أما في موضوع البلدية فأنا لست معه، أو في النقابات الفلانية أنا لست معه، أو في الموقف من القوانين الفلانية أيضاً أنا لست معه. هذا طبيعي. في مرة من المرات قلت افصلوا بين المقاومة كمقاومة وقضية حق، والموقف من الحزب أو الخلاف مع الحزب الذي يمكن أن يبدأ من تأييد مختار أو تجمع طلابي في كلية وصولاً إلى رئيس الجمهورية. يمكن أن نختلف على ملفات أخرى، لكن كيف يمكننا أن نعمل من دون أن ينعكس خلافنا مع الناس أو مع قوى سياسية على موضوع المقاومة.

■ يوجد شعور عند الناس أنه رغم تقديم الشهداء فليس هناك من يقدّر، وهذا ما يثير تساؤلات عن جدوى ذلك؟
حتى في العراق، كان هناك من يسأل، كما في لبنان، ما الذي أخذ حزب الله إلى سوريا؟ كان البعض يناقشنا في الحيثية والأسباب. بعد ما حصل في العراق، أقرّوا برؤيتنا. اليوم، سواء في العراق أو حتى في سوريا، يعنينا المزاج الشعبي، وهذا المزاج بدأ يتغيّر. يصلني الكثير من الشكر.

■ من الناس أم من السياسيين؟
لا علاقة للسياسيين بالأمر. الناس في بيئتنا واعون لهذه المعركة، وفي البيئات الأخرى هذا الوعي ينمو والإحساس بالخطر يكبر. وصلتني رسائل مهمة جداً. هناك أناس يتحفظون عن التحدث في الإعلام. أما السياسيون، فكونوا على ثقة أنه مهما قدمنا لهم فلن يرضوا ولن يعترفوا. للأسف هناك مجموعة من السياسيين أصبح لديهم عداء ذاتي، لا علاقة له بما إذا كان ما نقوم به صحيحاً أو لا. في بعض المراحل هناك جهات دولية وإقليمية تكلف جماعات تابعة لها بمعاداتنا، لكن عداءهم استحكم إلى حدّ أن الجهات التي تقف وراءه قد تلفتهم الى أن الأولويات باتت مختلفة. هؤلاء لا حل لهم.

■ هل يمكن لسوريا أن تساعد جدياً في معالجة ملف كالنازحين عبر السماح لهم بالعودة؟
المشكلة هي هل يريد النازحون أن يعودوا؟ نحن كلنا جاهزون أن نساعدهم. البعض يستطيع العودة والعيش في أمن وأمان. هناك مناطق بكاملها، في ريف دمشق والقلمون وحمص وغيرها، قاتل فيها مسلحون الدولة لثلاث سنوات ثم دخلوا في تسويات، واليوم لا أحد يتعرض لهم. هؤلاء كانوا يقاتلون فكيف بمن كان هارباً؟ إذاً، دعونا نبحث عن الأسباب الحقيقية لتمسك البعض بالنزوح إلى لبنان تحديداً. هذا يحتاج إلى إرادة جدية لدى النازحين أولاً، وقرار من بعض القوى السياسية ثانياً بوقف استخدام النازحين ضد النظام إنسانياً وأخلاقياً وأمنياً وسياسياً. هؤلاء يشجعون المسلحين على الإتيان بعائلاتهم الى لبنان لكي يتفرّغوا للقتال هناك. وبالمناسبة، أؤكد أن الرعاية اللبنانية لبعض الجماعات المسلحة في بعض المناطق السورية لا تزال قائمة، تمويلاً وتسليحاً وتدخلاً واهتماماً وتوجيهاً، ولكن بعيداً عن وسائل الإعلام. هذا الأمر مستمر ولم يتغير شيء. المطلوب قرار سياسي بوقف استخدام النازحين، وبالتالي فتح باب التعاون مع الحكومة السورية لإعادتهم إلى بلادهم. وما أعرفه أن لدى سوريا استعداداً كبيراً للتعاون في هذا الشأن.

■ هل تُسبّب مشاركتكم في الحرب في سوريا استنزافاً مادياً وبشرياً للحزب، وإلى أي حد يمكن تحمّل هذه المجازفة؟
القول إنها تشكل استنزافاً فيه مبالغة. لكن في كل الأحوال، ما يتحمله الحزب من تضحيات في سوريا منذ بداية تدخله إلى اليوم، يبقى أقل بكثير من التضحيات المفترضة والأثمان التي كان على حزب الله واللبنانيين جميعاً دفعها لاحقاً لو لم يتدخل.

■ هل كشف القتال في سوريا تكتيكات كان حزب الله يتركها مفاجآت للإسرائيلي؟
ما أعدّ لإسرائيل يختلف بطبيعة الحال عن المعركة التي نخوضها ضد الجماعات المسلحة، وبالتالي لا أرى أن هناك شيئاً كان حزب الله قد أعدّه أو أخفاه أو خبّأه في مواجهة الإسرائيلي وانكشف. بل بالعكس، وهذه واحدة من النتائج الجانبية ــ وليست سبب الذهاب الى سوريا بطبيعة الحال ــ أن هذه المعركة تكسبنا من الخبرة ومن المعرفة ومن الآفاق الواسعة ما يمكن توظيفه بشكل أفضل في أي مواجهة مستقبلية مع العدو، هجوماً ودفاعاً. عين إسرائيل على تجربة حزب الله في سوريا. وقيل الكثير في النقاشات الإسرائيلية أن حزب الله، بعد تجربة القصير وتجربة القلمون، هل يستطيع أن يطبّق دروساً وخلاصات من هاتين التجربتين في معركة الجليل. المعركة التي حصلت في سوريا تعطينا إضافات نوعية أحياناً في أي معركة مع العدو الإسرائيلي، ولم يضع من أيدينا شيء قد يكون مفيداً في المعركة مع العدو.

■ هل اصطدمتم مع الإسرائيلي في سوريا؟
مباشرة كلا.

■ هل يساعد وجود حزب الله في سوريا أهل الجولان على إطلاق حركة مقاومة شعبية؟
هذا يعود إلى إرادتهم. عندما تحكي عن مقاومة في أي منطقة من المناطق، إذا كان لدى أهل المنطقة، السكان المحليين القاطنين في تلك الأرض، إرادة مقاومة، فأنت تصبح عامل مساعدة كما حصل في لبنان. عام 1982 لم يأتِ الإيراني أو السوري ليقاتل في لبنان. يوجد لبناني لديه إرادة قتال لتحرير أرضه، فكان للمساعدة معنى.

 

■ قبل عبوة شبعا وبعدها، حدثت هناك أكثر من عملية في الجولان. هل لحزب الله علاقة بهذه العمليات؟
ما أعرفه أنه يوجد تشكل حقيقي موجود هناك، تشكل شعبي يعبّر عن إرادة ما، وهم الذي يعملون وليس نحن.
■ هل صحيح أنكم التقيتم معارضين سوريين في خلال الفترة الأخيرة، وأن بعضهم غيّر مواقفه؟
لا داعي لأن يغيّر الذين التقيت بهم مواقفهم. يمكن أن أقول إنهم تفهّموا موقفنا.

■ هل تميّز بين المعارضات السورية؟
عملياً، في الواقع الحالي، المعارضة الخارجية لم يعد لها أي وجود داخل سوريا. وأصلاً لم يكن لها وجود، في رأيي، منذ البداية، ولم يكن لها تأثير في الداخل السوري. هم عبارة عن شخصيات سياسية أو ثقافية أو فكرية تم تجميعها في إطار مشروع سياسي معين، وهم عاشوا بأغلبيتهم على أبواب السفارات والفنادق وما زالوا على أبواب السفارات والفنادق. وهذا ليس تقييمي. هذا تقييمهم هم. رموز كبيرة ممّا يسمى الائتلاف الوطني المعارض يقولون ذلك في الجلسات مع أصدقائهم اللبنانيين. يقولون إن هؤلاء يحكون ويجتمعون ويصدرون بيانات، وقد زادتهم تشتيتاً فوق تشتتهم السفارات والدول وما سمّي مكوّن أصدقاء سوريا. هذا واقع المعارضة الخارجية.
لذلك أين هي المعارضة الخارجية في المعادلة السياسية والميدانية اليوم؟ لم يعد لها أي قيمة أو تأثير. الميدان تحكمه المجموعات المسلحة. حتى «الجيش الحر» لم يكن جيشاً، بل كان تجميعاً لجماعات مسلحة منفصلة بعضها عن بعض، تنسّق في ما بينها أحياناً وتتصارع في أحيان كثيرة على الغنائم وعلى الحاجز وعلى المعبر الحدودي. عملياً الآن الميدان أصبح جزء أساسي منه مع «داعش»، وجزء أقل مع «جبهة النصرة»، وجزء مع ما سُمّي في التجميع الأخير «الجبهة الإسلامية».
أما من توصف بجماعات وطنية أو علمانية أو مدنية فلم يعد لها وجود. لا أريد أن أستدل بكلام أوباما، ولكنه خبير بهم. السفير الأميركي هو الذي كان يدير جزءاً كبيراً من هذه المعارضة. الآن واقع المعارضة على الأرض أنها تتشكل من جماعات مسلحة أكثرها متشدد ومتطرف تتقاتل في ما بينها. هذا ما انتهى إليه واقع الحال. ولذلك حتى لو أردنا أن نبحث عن قوى سياسية معينة في المعارضة للتفاهم أو التحاور معها فلن نجد.

 

هكذا أعدّ خطاباتي... وصرت أقرّر متى أرفع إصبعي!


منذ بدأ السيّد حسن نصر الله دراسته الدينية في النجف، تميّز بقدراته الخطابية. وعلى مرّ السنوات والمسؤوليات، سحرت مهارته في الخطابة كثيرين، فيما جعل منها الاسرائيليون مادة للدراسة والتحليل. كيف يعمل قائد المقاومة على إعداد خطاباته النارية؟ وما هي أسرار هذه الخطابات؟


■ هل تحبّ إلقاء الخطابات؟
لا أقدر أن اقول إني لا أحب أن أخطب. نحن مشايخ وهذا جزء من عملنا. في الثمانينيات كنت ألقي خطاباً كلّ ليلة وأتنقل من حي السلم إلى الأوزاعي إلى بيروت إلى الشياح. نعم، أحب أن أخطب خصوصاً انه لدي شيء لأقوله.

■ لكن يبدو مؤخراً أنك تقنّن ظهورك وإطلالاتك؟
بعد عام 2006، صار لكلّ كلمة وكلّ حرف وكلّ طلة حساب، وباتت تُبنى على الخطاب مواقف، وله تبعات. صار الخطاب مراقباً بشكل كامل وهناك متابعة له من الصديق والعدو، وبالتالي صرت أنا في مسؤولية أخطر وأكبر، وهناك حجم توقعات مختلف. لم يعد الموضوع يتعلق بمزاجي إن كنت أحب أن أخطب أم لا. لم يعد الأمر شخصياً. صرت معنياً أن أقلّل من الأخطاء لأنه لا أحد فينا معصوم.

■ من الذي يقرّر موعد إطلالاتك وإلقاء الخطب فيها؟
لا يوجد قرار في حزب الله أن فلاناً يخطب كلّ فترة محددة أو لا يخطب. هذا الأمر من صلاحيات الأمين العام. أنا أرى المصلحة في الكلام أو عدمها. أحياناً يقدّم الأخوان اقتراحات أنه من المفيد الآن أن نخرج بخطاب، لكن هذا الموضوع عندي كصلاحية، وله علاقة بمزاجي ورغبتي.

■ هناك انطباع بأن خطاباتك لا تحتاج إلى تحضير. تطلّ وتقول مباشرة ما تريد قوله؟
لا، ليس الأمر كذلك. أنا لا أخرج وأقول ما أريده من دون ضوابط ونقاش مع الإخوان، خصوصاً في الخطابات الحساسة والتي يكون فيها اتخاذ مواقف. في النهاية هناك شيء له علاقة بأصل تركيبة حزب الله. الأمين العام ليس قائد حزب الله، وهو ليس صاحب القرار في حزب الله. القرار السياسي يؤخذ بشكل أساسي في شورى القرار. الشورى هي التي ترسم المسارات وتتخذ المواقف الأساسية والقرارات الأساسية. طبعاً الأمين العام شريك مؤثّر في اتخاذ القرار، لكنه ليس من يتخذه.
مثلاً، إذا كنت سأعقد الآن مؤتمراً صحافياً متعلقاً بالشأن السياسي، لستُ من يقرّر إن كنا نريد انتخابات نيابية أو سنقبل بالتمديد للمجلس النيابي أو، مثلاً، قرار الدخول إلى معركة القصير. هل هذا قرار يتخذه الأمين العام؟ لا. تأخذه شورى حزب الله. حتى الإعلان عن الأمر هو قرار تأخذه الشورى. ما يبقى لي هو كيفية التعبير عن هذا الموقف، الحجة، المنطق البيان، اللغة، الأدبيات. كذلك الأمر في الموضوع الجهادي. مثلاً، في السابق عندما كانت تطلق التهديدات الإسرائيلية كنت أناقش مع الإخوة الجهاديين في كيفية الردّ وما إذا كان مناسباً الآن أن نطرح هذه المعادلة أو نبقيها لوقت لاحق.

■ مثل معادلة كلّ مبنى في الضاحية مقابله مبانٍ في تل أبيب؟
مثلاً، أو مثلاً معادلة مطار بن غوريون، أو معادلة البحر. أنا أناقش الأمر مع الإخوة. نتحدّث في أصل المعادلة الموجودة لدينا ضمناً.

■ ماذا تقصد بالمعادلة الموجودة ضمناً؟
يعني أننا لا نتحدّث عن شيء غير موجود. وهنا ألفت إلى أن الحرب النفسية بالنسبة لمدرسة حزب الله تعتمد على الصدقية. في الحرب النفسية يمكنك أن تبالغ وأن تشيع أجواء معينة، ولكن الصدقية يجب الحفاظ عليها. لا أستطيع أن أقول: إذا قصفتم بيروت نقصف تل أبيب في وقت لا تتوافر فيه لدى حزب الله القدرة على ذلك. غير ممكن لأنه أولاً هذه الحرب ستكون فاشلة، وثانياً حرص المقاومة في لبنان على الصدقية التي استطاعت أن ترسّخها نتيجة تراكم التجربة والخبرة، حتى بات الإسرائيلي، سواء كان جيشاً أو حكومة أو أحزاباً أو ناساً، يقولون لك نحن نصدّق فلاناً أو الجهة الفلانية ولا نصدّق كثيرين في العالم العربي.

 

■ بعيداً من المعادلات العسكرية، هل تعدّ بقية الخطابات مسبقاً، وهل تناقشونها أيضاً؟
نعم، أحياناً يحصل ذلك. كأن يجتمع الأخوان المعنيون بالسياسة ويقدّمون مجموعة أفكار لما يجب أن يرد في خطاب معيّن.
■ الانطباع السائد لدى الناس مختلف، حتى أن هناك من يفصل بينكم شخصياً وبين حزب الله؟
الناس معتادون على الزعيم والقائد والرمز. حتى هنا كنا إذا قلنا لهم إنه في حزب الله توجد مؤسسات قرار، وجهات تخطط وتبرمج، والأمين العام هو واحد من مجموعة، هناك أناس لا يصدّقون لأن المزاج العربي والشرقي معتاد على الزعيم والقائد والبطل. هذا بحاجة إلى توضيح. داخل الحزب هذا معروف، ما هي آليات اتخاذ القرار ومن هي الجهات المعنية باتخاذ القرار، وعندما أتحدث عن قرار أتحدث عن مستويات. داخل الحزب هذا معروف، أما خارج الحزب، وباعتبار العلاقة والمحبة التي تنشأ مع الناس، سيتأثرون. كما أن طبيعة الخطاب وطريقته والأدبيات والصياغات واللغة التي يجري استخدامها تلعب دورها، ولا شك أنه في تجربة حزب الله قُدّمت مجموعة أدبيات لم تكن موجودة لعمل المقاومة، وجاءت حرب تموز أيضاً ساعدت في تكريسها، لذلك الآن نجد أن جزءاً كبيراً من هذه الأدبيات موجودة في حرب غزة، رغم أن التجربة هناك لها خصوصياتها ومميزاتها ولها أدبيات مختلفة، لكن بشكل عام متقاربة.

■ عندما تكون في مرحلة إعداد لخطاب، هل تدرّب نفسك ولو بشكل أوّلي على مساره؟ أين سترفع الصوت، أو تستعمل حركة رفع الإصبع التي تحظى بتعليقات؟ أم أن الأمر يأتي في سياق ارتجالي حسب التفاعل مع الجمهور؟
بالنسبة لرفع الصوت أو خفضه، فهذا أمر مقصود طبعاً. الأمر يتعلق بطبيعة المناسبة وطبيعة الجمهور، فما يجب رفع الصوت فيه لا يمكن قوله بصوت منخفض، والعكس صحيح، فلكل مقام مقال وحال وصوت و«رفعة إصبع».

■ هل تتقصدّون رفعه؟
في الماضي كان الأمر طبيعياً، ولكن بعدما بدأ الآخرون يتحدثون عن هذه المسألة، أصبحت أحسب الموضوع، وأقرر متى أرفع إصبعي.

■ هل تشاهد نفسك بعد إلقاء الخطاب؟
لا.. إلا إذا بثوا قسماً من الخطاب في نشرات الأخبار. أما أن أجلب الشريط وأشاهده، فهذا لا يحصل. لكن هناك مجموعة من الأخوة والأصدقاء يقدمون لي ملاحظات إيجابية وسلبية بالشكل وبالمضمون وأنا آخذها عادة في الاعتبار.

■ هل تدرّبت على الخطابة، أو خضعت لدورات تتعلق بالقيادة؟
قرأت بعض التقارير الإسرائيلية التي ذُكر فيها أني قد أكون خضعت لدورات عديدة في إدارة الحرب النفسية، أو أنني أتمتع بهذه الإمكانية بالفطرة أو بالغريزة. الحقيقة، أنا لم أخضع لأي دورات، لا بالحرب النفسية ولا بالإدارة ولا القيادة. هذا الأمر تطوّر معي ومع إخواني نتيجة التجربة والمراكمة والخبرة.

■ بما في ذلك قدر المعلومات الذي كنت تقدمه خلال إلقاء الكلمات؟
نعم. كلّه حصيلة تجربة وتراكم ونقاش. عندما يكون الشخص هو من يتابع، هو موجود داخل الإدارة وداخل اللعبة، وتكون لديه إحاطة كاملة بالمعلومات ويعقد نقاشات مستمرّة لتقدير الموقف المناسب أو غير المناسب، تحديد ما هو مناسب أن يقال للعدو، ما هو مناسب أن يعرفه الصديق، ما يجب أن يُخفى، ما يجب أن يعلن، عندها يصبح الشخص على معرفة بقدر المعلومات الذي يجب قوله.

■ هل تحضّر مضمون خطابك مسبقاً؟
نعم، أنا أحضّر في غالب الأحيان، وأكتب الأفكار على الأوراق التي أضعها أمامي عندما أكون في موضع الخطابة. احترام الناس يفرض على الخطيب أن يحضّر. كما أحرص على أن تكون الأفكار حول موضوع واحد أو أن تكون متناسبة مع بعضها، أو أقسّم الخطبة إلى محاور عندما أكون مضطراً في السياسة أن أفعل ذلك. أما في الموضوع الديني، فأتناول موضوعاً واحداً، حتى لو حكيت ثلاثة أرباع الساعة أو ساعة كاملة، وأركّز عليه. لكن لا شك، الكلام يجرّ الكلام خلال الخطاب، والأفكار تتفاعل، والحضور أمامك يفرض طريقة الخطابة.

■ كيف ذلك؟
هناك ثلاث حالات خبرتها. إما أن أتحدّث بين الناس، أو عبر الشاشة في حضور الناس، أو عبر الشاشة من دون وجود الناس. عندما أوجّه رسالة تلفزيونية، أجلس أمام الكاميرا والناس يكونون مفترضين. أي أنهم جالسون أمام الشاشة ويحضرون الرسالة، وهذا يختلف عندما يكون الناس موجودين في المكان الذي أخطب فيه. فأنا أراهم وأتفاعل معهم وإن كنت لست واقفاً بينهم.

■ كما حصل في إطلالتك في خطاب الانتصار في 22 أيلول 2006، الأولى لك بعد حرب تموز. كان الجوّ عاطفياً
صحيح، وقد لمست ذلك وشاهدت شخصيات سياسية تنفعل وتبكي وبالكاد استطعت التماسك.

■ عبارتكم الشهيرة «أشرف الناس» وردت في ذلك اليوم، هل كانت مكتوبة؟
يومها لم تكن مكتوبة في النص، أحياناً يخطر الكثير من الأفكار في بال الشخص وهو يخطب وهنا أهمية الخطاب بين جمهور. لكن على ما أذكر، تضمّنت رسالتي إلى المجاهدين مقطعاً كان موجهاً إلى الناس أثناء الحرب، لكن لم يجر تسليط الضوء عليه وأظن أن هذا التعبير ورد في ذلك المقطع.

■ يقال إنك اتخذت قرار الظهور الشخصي في اللحظات الأخيرة في 22 أيلول 2006؟
صحيح. كان هناك نقاش حول ظهوري العلني أو عبر شاشة. وترك الأمر في النهاية لي وللحاج عماد مغنية. وقد كنا معاً في المبنى الملاصق للاحتفال، وفي نصف الساعة الأخير حسمنا القرار. الحاج عماد كان يريد تغليب الجانب الأمني وطال النقاش بيني وبينه. وفي الحقيقة أنا من اتخذ قرار الظهور العلني، ولو أن شيئاً حصلف في ذلك اليوم كنت أنا من يتحمّل المسؤولية وقد قلت للحاج أنت بريء الذمة، واتكلنا على الله سبحانه وتعالى.

■ بناء على أيّ حسابات اتخذت قرارك؟
كان واضحاً عندي أن الإطلالة عبر الشاشة في ذلك المهرجان ستكون محبطة للناس الذين شكلوا حشداً ضخماً. كما أني كنت أتابع عبر التلفزيون التحضيرات، وشاهدت الآتين من البقاع والجنوب مشياً على الأقدام. من جهة ثانية، لا نقاش في أهمية الظهور العلني في الحرب النفسية. أي أن حساباتي كانت سياسية ومعنوية وأخلاقية وعاطفية وشعبية، لكن في الموضوع الأمني، كنت أعي عندما صعدت إلى المنبر أن هناك احتمالاً بتعرضه لقصف من الجو. لم يكن احتمالاً بنسبة 70 أو 80 في المئة، لكنه كان احتمالاً معتداً به. وأذكر يومها أني اتفقت مع الحاج عماد أن أخطب ربع ساعة أو ثلث ساعة، لكنني تخطيت الوقت حتى راح يرسل إليّ أوراقاً طيلة الوقت بأن «خلّصنا انزل خلّصنا انزل».

■ هل اقتصار الخطاب على عشرين دقيقة له علاقة بالوقت الذي يحتاج إليه الطيران الإسرائيلي لكي يصل إلى الأجواء؟
لا، القصد هو الاختصار ما أمكن. القول إنهم بحاجة إلى 15 دقيقة ليس دقيقا.

 

خبز وملح مع السيّد

حسناً، يبدو أنه لا مفرّ من الكتابة عن الأمر.
النجاح في التهرّب من هذه «المهمة» أمام إدارة التحرير، لم ينعكس على من طالب به من الأصدقاء، ومن عدد من القرّاء. أما الزملاء في الوسائل الإعلامية ففرضوا أمراً واقعاً، بعدما حوّلوا أجواء المقابلة إلى مادة إخبارية يرغب الكثيرون في معرفة تفاصيلها. الأسئلة التي تنهمر لا تترك تفصيلاً إلا وتحاول معرفته: صحته، شكله، سلوكه، نوع الضيافة، لائحة طعام العشاء الذي دعانا اليه، عدد المرات التي ضحك فيها، الإجابات الخاصة التي لم تنشر... والمشاعر التي راودتنا.

يمكن الإجابة عن كلّ الأسئلة التفصيلية التي ذكرت أعلاه. لكن، كيف يمكن إقناع الكثيرين من المطالبين بكتابة «نص شخصي» عن اللقاء، أن هناك أموراً لا يمكن كتابتها. هذا شعور قد يراود أي شخص يلتقي قائداً بمستوى الأمين العام لـ«حزب الله». فكيف إذا كان هذا الشخص مُحِبّاً ومُعجَباً ومديناً بالجميل؟
كلّ ما يعدّ له صحافي «منحاز» بقوة إلى ضيفه، هو أن يحاول القيام بعمله على أكمل وجه. أن يطرح كلّ الأسئلة التي يَفترضُ أنها يجب أن تطرح عليه كلاعب أساسي في المنطقة، وكقائد جماهيري محبوب. وأن تقدّم الإجابات في قالب مفيد وممتع. كان هذا هو التحدّي الأساسي، خصوصاً أننا نعرف صعوبة الحصول على «سبق صحافي» من السيّد، بالمعنى الخبري المباشر. وكلّ متابع لأداء قائد المقاومة الإعلامي، يستنتج أنه غالباً ما يعلن عن مواقف حزب الله من خلال إطلالاته المباشرة التي تصنع الحدث. فيكون الإعلان عن موعد الإطلالة خبراً بحدّ ذاته. وفق هذا السياق، يصبح مجرد إجراء المقابلة «سبقاً»، قدّمه السيّد إلى المؤسسة الإعلامية. وعلى هذه المؤسسة أن تستحقه من خلال تقديمه بشكل ناجح إلى جمهورها.
لكن هذه ليست كلّ الحقيقة. أو أنها لا تبقى مقتصرة على ذلك بعد اللقاء الذي ناهزت مدّته الست ساعات. ذلك أنه ما إن أُعلن عن اللقاء، حتى انهالت ردود الفعل الغاضبة من زملاء «مغتاظين» لأنهم لم يحظوا بالفرصة نفسها، وانهمرت الاتصالات من مهنّئين تجاوز عددهم بكثير الاتصالات المهنئة بالتفرّغ في الجامعة.
وفي الحالتين، لا يجد الشخص بدّاً من التعويض للغاضبين والمهنئين على حدّ سواء من خلال سرد تفاصيل التفاصيل. فيتكرّر الحديث نفسه عشرات المرات: تنقلنا في أربع سيارات قبل الوصول إلى مكان اللقاء. نعم، هناك رهبة يفرضها حضور السيّد، وهو من يعمل على كسرها من خلال ابتسامته ومبادرته بالحديث. كان لافتاً بانفتاحه ورحابة صدره، فتح قلبه «تحت الهواء» أكثر من مرة، وكان مستمعاً باهتمام، ولم يقلّل من أهمية أي سؤال، سواء كان خفيفاً، أو مشكّكاً في مسلّمات، أو حتى معبّراً عن اعتراض. دعانا إلى العشاء في غرفة أخرى وكان حريصاً على القول إنه عشاء تكريمي لـ«الأخبار» في عيدها الثامن. تناول شوربة الخضار والكبة باللبن. أما بقية الأطباق فكانت فاصوليا عريضة ورز، هندباء، بطاطا حرّة، ودجاج بالكاري، إضافة إلى السلطة....
لا تنتهي أسئلتهم، فيلفتون نظرك إلى ما فاتك طرحه. تشعر في لحظة من اللحظات أنك لم تكن تجري مقابلة على الرغم من عشرات الأسئلة التي طرحت على مدى ساعات. إذا طلب منك أن تصف ما حصل تلك الليلة، قد تكتفي بالقول: كانت سهرة مع السيّد... وحفاظاً على ماء الوجه، لم نعد بخفي حنين. عسى إجابات القائد الباسم عن أسئلة «الأخبار» تخفّف نقمة المحبّين الذين لم يحظوا بفرصة اللقاء، وعسانا نكون استحقينا هديته لنا في عيد الجريدة وعيد الانتصار.

 


بهدوء | نزع الأسطرة عن القائد؛ «لا شيء إنسانياً غريب عني»

من أجمل النصوص في تراث كارل ماركس نص قصير لاستمارة صحافية شخصية نشرت في ستينيات القرن التاسع عشر، أضاءت على المفاصل لشخصية أهم مفكر عرفه التاريخ، ما لم تضئه نصوص فكرية وسياسية، وجرى استخدامها في مقاربات بحثية للماركسية، منها، في التأليف العربي، كتاب سالم حميش، «في نقد الحاجة إلى ماركس».
من ذلك النص الماركسي: «الصفة التي أحبذها أكثر هي، عموماً، البساطة، وعند الرجل: القوة، وعند المرأة: الضعف. فكرتي عن السعادة: الصراع، وعن الشقاء: الخضوع. لوني المفضل: الأحمر. صحني المفضل: السمك. شعاري: يلزم الشك في كل شيء. حكمتي المفضلة: لا شيء إنسانياً غريب عني»!

وفي رأيي، إن المقطع المتصل بالحياة الشخصية للسيد حسن نصرالله، في المقابلة التي أجراها الزملاء في «الأخبار» معه، ونُشر أمس، إضافة إلى طرافته المدهشة بالنسبة إلى محبّي السيد، هو بالغ الأهمية من أجل قراءة معمقة في عقل قائد المقاومة ووجدانه. صحيح أن التحفظات المفهومة أوقفت التسلل إلى شخصية السيد، فلم تكن هناك أسئلة وأجوبة حول الحب والمرأة والألوان وما شابه، كما ورد في المقابلة مع ماركس، ولكن هذا القدر الممكن من التصريحات حول كرة القدم والأطعمة المفضلة والأماكن المفضلة في لبنان والفايس بوك والفضائيات والقراءات واعتياد التنقل السري... إلخ، ربما يكفي جزئياً للإطلالة على دواخل السيد.
المدهش، مع ماركس كما مع نصرالله، أن التعقيد الاستثنائي للمهمات الفكرية والسياسية، والقدرة الفذة على القيام بها، لا يصيبان الوجدان الشخصي بتعقيد مماثل. ماركس كان يحب في المرأة، كأي رجل طبيعي، «ضعفها»، وكان السيد يحب الملوخية والمجدرة والسمك، قبل أن تلزّه الظروف الكفاحية الدقيقة أمنياً إلى الكفّ عن اشتهاء الطعام والرضا بالمقسوم، بلا تذمّر. كأنه أصبح، أي ذلك الرضا، عادة متأصّلة. هذا يتطابق مع القدرات النفسية لشخصيّة مسيحية ـــ حسينية، لكن من دون تعالٍ على الآخرين بالتسامي. ينطبق ذلك على اعتياد الرجل التغيير المستمر لفراشه وغرفة نومه، ما يستنزف، طبيعياً، القدرة على النوم في الأحوال العادية.
يحب السيد، كرة القدم. وكان يلعبها حتى بعدما وضع العمامة على رأسه، وكان معجباً باللاعب الأرجنتيني، مارادونا. يعني ذلك أن نصرالله رُبّيت أحاسيسه خارج الدوائر النفسية للمثقفين الذين يرون في شعبية كرة القدم ضرورة نفسية للانفصال عنها. من الطبيعي أن يكف الرجل، بسبب العمر والمسؤوليات الجسام، عن هواية مشاهدة الميدان الكروي، والتمتع باللعب. أقله من أجل المشاركة الوجدانية مع نجله، حضرا معاً المباراة النهائية للمونديال؛ لفتة صغيرة لقوة أحاسيس الأب لدى أسطورة المقاومة.
«بعلبك» هي البقعة المفضّلة من لبنان عند السيد. يعزو السبب إلى صداقات كوّنها أثناء إقامته فيها؛ من تجربتي، أهل بعلبك والبقاع عموماً هم أقرب اللبنانيين إلى الطباع العربية، والصداقات العميقة. تلك العلامة باقية في وجدان السيد، من أزمنة العيش في الزمكان. الآن، علاقة نصرالله بلبنان ذهنية، ولذلك لم يعد يفضّل منطقة على أخرى، يحبها كلها؛ الحب، بهذا المعنى، موقف، وليس وجداناً. وهذه نقطة ضعف نفسية أنتجتها ظروف القيادة والحرمان من الحياة الاعتيادية بسبب الاحتياطات الأمنية. من طبائع الإنسان تعلّقه بمنطقة ما، طبيعة وبيئة وناساً، لذلك كان تعلّق نصرالله ببعلبك أقرب إلى تكوينه باعتباره واحداً من الناس.
لكن نصرالله يتجوّل. لا يمكنه العيش في برج، ولا يمكنه الاستسلام للاعتبارات الأمنية. ليس الرجل خائفاً في دواخله. وهو ما يسمح له بمعادلة الحركة والتجوال والعيش في المنازل، ولكن في شروط السرية التي يضبطها الأمن لأسباب موضوعية لا ذاتية. يعرف السيد الضاحية، يألفها بأحيائها وشوارعها وناسها. يتابعها، كما الجنوب والبقاع.
اختيارات السيد من المسلسلات التلفزيونية والأفلام، سياسية ودينية؛ أي إنه ليس مشدوداً إلى الجماليات الدرامية. ونستطيع أن نقدّر ذلك، ما دام الرجل لم تتح له فرصة تكوين حساسية ثقافية في هذا المجال، مع أنه، كجميع الشبان المتفتحين في بلاد الشام، قرأ جبران خليل جبران. وجبران محطة ثقافية ـــ نفسية ظلت إجبارية لأجيال؛ عادة يتجاوزها المرء، وينساها، لكنها تترك أثراً عميقاً في التكوين النفسي اللاحق؛ التسامح والمحبة بمعناها الشموليّ، تحديداً محبة الخَلق، ورفض احتكار الخالق.
على نهج المثقفين الباحثين الجادين، يربط نصرالله قراءاته بالقضية المركزية المطروحة في المرحلة، من أجل التأسيس النظري لمجابهة التحديات الفكرية. التحدي الآن يكمن في مسألة التكفير. من المؤسف أن مرجعية السيد في القراءة حول التكفير لا تزال كتباً دينية، سنية وشيعية، مع أن فهم هذه الظاهرة مستحيل إلا بالخروج من هذا السياق إلى سياق أوسع، وخصوصاً لدى الماركسيين، كحسين مروة وهادي العلوي وسمير أمين والعفيف الأخضر... إلخ.
مثلنا يقلّب السيد القنوات، بحثاً عمّا يشدّه من برامج تحليلية. لكن قدرته على مشاهدة «الجزيرة» و«العربية»، للاطلاع، تدلّ على متانة نفسية ــ عصبية؛ فمشاهدة هاتين القناتين أصبحت تسبّب الألم الجسدي عندي كما عند الكثيرين، بينما قراءة الكتّاب المناوئين هي أقلّ وطأة.
من سوء الحظ أن السيد رفض، عن حكمة، الإدلاء بأسماء الكتّاب الذين يتابعهم بانتظام. معرفتنا بتلك الأسماء كانت ستعطينا تصوراً أدقّ عن نمط التفاعل الفكري بين السيد وبيئة الكتّاب. وهؤلاء لا يعبّرون عن اتجاهات فقط، بل عن ضفيرة من الاهتمامات والمقاربات المرتبطة بالبعدين الثقافي والشخصيّ.

 

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها