إطبع هذا المقال

السنيورة كتب رسالة الى رفيق الحريري في الذكرى السابـــع لاستشهاده

2012-02-14

 

السنيورة كتب رسالــة الى رفيـــــق الحريـــــري في الذكــــرى السابـــعة لاستشهــــاده

لن نفرّط ببلدنا وبابنائه الذين قد نختلف مع بعضهـــم مهما تباعــــدت وجهــــات النظــر

سلاح المقاومة كان موجها الى اسرائيل تغيرت وجهته وبات هم اصحابه السلاح نفسه

النظام السوري لا يعــرف الا الحل الامني في مواجهـــة شباب يهتف للحريـــة منذ عــام

وهو غيـر قـادر على اخمـــاد الثـــورة ووقــــف الانشقاقـــات في صفــــوف الجيـــــش

___________

          (أ.ي.)- اعلن الرئيس فؤاد السنيورة عدم التفريط ببلدنا و بأبنائه الذين قد نختلف مع بعضهم، مهما تباعدت بيننا وبينهم وجهات النظر. واعتبر أن سلاح المقاومة الذي كان موجهاً إلى إسرائيل تغيرت وجهته وبات هَمُّ أصحاب السلاح، هو السلاح نفسه. وفي الشأن السوري ،اشار السنيورة النظام لا يعرف إلاّ  الحل الامني في مواجهة شباب يهتف للحرية منذ نحو عام ، وهو غير قادر على إخماد الثورة ووقف الانشقاقات في صفوف الجيش.

          وكتب السنيورة رسالة وجهها الى اخيه وصديقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري" لمناسبة الذكرى السابعة لاغتياله، وفي ما يلي نصها:

          اكتب إليك متمنيا عليك أن تشاركني النظر فيما حصل من أحداث وتطورات خلال الاثني عشرة شهرا الماضية وهي كثيرة وهامة. ومن أهمها ما كنا نمني النفس أن نراها تحصل من قبل ولم يخطر ببالنا أبدا أنها قد تحصل هذه الأيام. حين كنا في صيدا أيام الصبا، أملنا يومها كمثل أبناء جيلنا بنهضة عربية تحمل معها الإنسان العربي والعالم العربي لمواكبة حركة العصر والتلاؤم معه وبالتالي للارتقاء إلى مصاف الدول والشعوب الأخرى المتقدمة. لكن النكسات والنكبات التي حلت بنا وبالعالم العربي كادت تحملنا إلى الظن أن عالمنا سيبقى كما كان، بل كدنا نعتقد أننا في منطقة مختلفة ومتخلفة عن العالم من حولنا. منطقة لن يكون فيه حراك أو تغييرأو تقدم أو تبدل.

          لم تكن هذه قناعتنا لوحدنا، كانت قناعات كثيرين غيرنا، حتى أن العالم الغربي كان يتحدث عن الاستثناء العربي عما يحصل في الشرق الأقصى وفي الغرب بما يعني أن هذاالإنسان العربي يبدو وكأنه استسلم لواقعه وأنه أصبح أسير هذا الاستثناء. وكان من نتيجة ذلك أن المجتمعات العربية تميزتعن بقية مجتمعات العالم بالركود والاستسلام. فدول أوروبا الشرقية التي كانت ترزح تحت الوصاية السوفياتية والأحزاب الشمولية ذات القبضة الحديديةنجحت في شق طريقها في الثمانينات من القرن الماضي نحو الخلاصوالتطلع إلى الحرية والتقدم. ولذلك فقد اعتقدنا ومعنا الكثيرون في منطقتنا وخارجها أننا سنبقى كما نحن. صحيح أننا في قناعاتنا العميقة كنا نمني النفس أن دوام الحال من المحال وان التغيير سيأتي يوما،وان الانحدار نحو هذا الدرك لن يستمر إلى الأبد. لكن هذا الاعتقاد المجبول بالأملالإنساني الطبيعي لم يكن يصل إلى حد الثقة بأن بداية هذا التغيير ستكون في أيامنا الحاضرة. كان الاعتقاد أن هذا التغيير إذا حصل فربما يأتي في أيامأبنائنا. لكن يا أخيأبا بهاء حصل ما لم يكن في الحسبان.
          أتذكر كم كان رهانك على الشباب وعلى الجيل القادم وكم بذلت من اجل دفع كوكبة من شبابنا إلى سلوك درب العلم لكسر جدار الشرنقة التي رزحنا داخلها استسلاما لهذا الاعتقاد بان ما لم يستطع جيلنا تحقيقه قد يتمكن جيل ما بعدنا من الوصول إليه.

          لقد فعلوها يا أبا بهاء... لن تصدق إذا قلت لك أن شابا من شباب تونس سكب على جسده البنزين واحرق نفسه وسط الشارع وذلك لأن أدوات النظام والاستبداد امتهنوا كرامته وحطموا له عربة الخضار التي كانت وسيلته الوحيدة لكسب الرزق الحلال. لقد احرق محمد بوعزيزي نفسه ثأرا لكرامته وكانت هي الشرارة التي اندلعت لترسم خارطة العالم العربي.

          لقد فعلوها يا أبا بهاء، شابات وشبان مصر الذين نزلوا إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة للمطالبة بالحرية والكرامة والديمقراطية وتداول السلطة ورفض التهميش السياسي والاجتماعي يدفعهم الوعي الكامل بما آلت إليه أوضاعهم وما يجري في العالم من حولهم. لقد أثبت شباب مصر وشاباتها أنهم كانوا يعلمون ما يجري من حولهم لكنهم كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة وكما حصل في تونس حيث انتفض شبابها تضامنا مع محمد البوعزيزي هدرت شوارع القاهرة بأصوات شبابها تضامنا مع والدة خالد سعيد الشاب الاسكندراني الذي قتل غيلة.

          لقد فعلوها يا أبا بهاء...فحين تمكن المجرمون منك ذلك اليوم ظهر الرابع عشر من شباط بعد أن غادرت مجلس النواب وكان إلى جانبك العزيز باسل... يومها اعتقد كثر أننا سنبكيك لأسبوع ونلوذ بالصمت والاستكانة بسبب الخوف من أجهزة القمع، وأننا سننشغل بعدها في البحث عن أمان مؤقت في بلدنا أو هجرة دائمة إلى الخارج. لكن يا أبا بهاء من آمنت بهم ووضعت ثقتك فيهم قد فعلوا ما لم ينتظره احد. لقد كسروا حاجز الخوف وحاجز الصمت ونزلوا إلى الساحات.

          لقد فعلها شباب العرب يا أبا بهاء في المدن التونسية، وفي طرابلس الغرب، وبنغازي وصنعاء وتعز والدار البيضاء، ودمشق ودرعا وحمص وحماه وادلب واللاذقية... كما سبق أن فعلها شباب وشابات بيروت ولبنان...

          شباب سوريا نزلوا إلى الشوارع يهتفون للحرية منذ نحو سنة، هل تصدق أنه منذ شهر آذار الماضي وشباب سوريا وشاباتها في الشوارع يهتفون للحرية والديمقراطية والمساواة... يطالبون بالتغيير والتطوير. لكن أو تدري ما الجواب؟ الجواب الذي تحفظه سلطات النظام السوري وتردده وتعمل بموجبه حتى الآن هو الحسم الأمني ظنا منها أن هذا هو الحل وأنه الحل الوحيد، فأحياء حمص وحماه ومناطق ادلب ودرعا والزبداني باتت بنظر النظام مناطق متمردة يجب إخضاعها بالحديد والنار فيما كان الحل منذ اليوم الأول يتطلب قراءة واعية متبصرة ورؤيوية. كان يمكن يومها معالجة الأمر بكلمات مسؤولة وشجاعة وإجراءات عملية تكون قادرة على رسم مسار التقدم نحو المستقبل بما يعزز المشاركة والدخول في ممارسات الحكم الرشيد. لكن هذا لم يتم ولهذا فان سوريا باتت اليوم على شفير مرحلة بالغة الخطورة. فالنظام غير قادر على إخماد الثورة ووقف الانشقاقات في صفوف الجيش والشعب السوري بات على قناعة مطلقة بأن السلطة لا تمثله ولا تعكس رغباته وبالتالي لا تستطيع بعد الآن أن تتولى وضع مسارات مستقبله والتقدم على مسالكه.

          لا تتعجب يا أخي أبا بهاء من هذه الأخبار... لقد بزغ فجر الحرية...ليس في سوريا فقط بل في كل أرجاء العالم العربي... لقد بدأ عصر جديد كنا نأمل به وانتظرناه طويلا لكنه أتى من دون سابق إنذار،أتىفي الوقت الذي لم ينتظره فيه احد...وأتى بطريقة تنفي ادعاءات الأنظمة بوجود مؤامرة كبرى تحيكها من الخارج قوى الاستعمار والإمبريالية.

          تسألني من دون شك عن لبنان... عن أخبارنا وأحوالنا...وأمورنا... منذ أن فارقتنا جرت مياه كثيرة في انهار لبنان، هل وصلتك أخبار السلاح... سلاح المقاومة الذي كان موجها إلى إسرائيل... لقد تغيرت وجهته... لم يعد الأمر كما كان. لقد بات هم أصحاب السلاح هو السلاح نفسه وانحسرت أهمية الهدف الذي جاء في الأساس من أجله، والذي من أجله وحده رضينا بهذا السلاح يوما ودافعنا عنه. ولكم يزيد من ألمنا وحسرتنا أنهم أضافوا لهذا السلاح أو لوهجه مهمة جديدة وهي تأمين أكثرية نيابية لحكومة يقترحها حزب الله ويديرها ويسيطر عليها وتأتمر بأمر حزب الله.

          لم تعد صناديق الاقتراع هي التي تشكل الأكثرية أوالأقلية بل بات السلاح والتهويل به هو من يتلاعب بالمعادلات السياسية ويقلب الاكثريات إلى أقليات... نعم...نعم هذا ما جرى.

          حتى أن المتهمين باغتيالك أصبح السلاح مسخرا لحمايتهم ولثلاثمائه عام أيضا... هل تصدق...؟
          لكن ما أود قوله لك يا أبا بهاء... أن هناك أنوارا بدأت تسطع ومنها أن المحكمة الخاصة بلبنان مازالت بخير. لقد فشلوا في إسقاطها أو تعطيلها أو النيل منها ومن صدقيتها. فالقرار الاتهامي الأول قد صدر وعملها قد انطلق بتسارع واضح والمحاكمات ستبدأ في حزيران المقبل. هذه المحكمة التي لم نردها للانتقام لك ولصحبك من الشهداء، بل أردناه الإنهاء منطق الحق بالقتل والحق بطعن العدالة... هذه المحكمة ستمضي في عملها نحو تحقيق العدالة حيث سيحاسب المجرمون على ما ارتكبته أيديهم.

          أضاف: العزيز أبا بهاء... على الرغم من كل مسارات التقدم التي رسمتها وعملنا وكافحنا من اجل التقدم على مسالكها من أجل بناء الدولة العصرية وتعزيز صدقيتها وهيبتها وإعمار مؤسساتها وإحياء دورها الناظم والمحفز، فإنها وفي المدة الأخيرة لم تعد تتقدم كما كان يؤمل منها بل بات يتسارع تراجعها إلى الوراء... نعم إلى الوراء...أتذكر يا أبا بهاء حين نجحنا في تزويد المواطنين بالتيار الكهربائي 24 ساعة على 24 ساعة في عامي 1997 و1998؟ يومها اعتبرنا أننا حققنا انجازا كبيرا... لكن الكهرباء عادت كما كانت قبل ذلك قطاعا متدهورا يسير خبط عشواء من دون خطة واضحة أوأفق واعد بسبب الكيد والحقد الذي بدأ يتوغل في أحشاء الدولة وعروقها منذ العام 1999 ومازال حيث بدأ ينهش خطتك لتطوير الكهرباء وغيرها من الخطط التطويرية في قطاع الاتصالات والنقل. والحقيقة أن ما يمكن أن يقال عن الكهرباء كذلك يمكن ان يقال على قطاع الاتصالات الذي بدأته أنت بتلك النظرة الرؤيوية لهذا القطاع الحيوي أكان في الاستثمارات الهامة في الشبكة الثابتة أم في مبادرتك الريادية الأولى في العالم العربي بإدخال قطاع الخلوي إلى لبنان. وهو القطاع الذي تراجع مؤخرا دوره وأداؤه ومستوى خدماته بسبب الحقد والكيد وقصر النظر.

          وكل ذلك انعكس أيضا على أداء الاقتصاد مؤخرا حيث تراجعت كل المؤشرات الاقتصادية بسبب حالة الكيد والغيظ والانشغال بحياكة الافتراءات والادعاءات الكاذبة عن النظر إلى الأمام والعمل على استيلاد الفرص من رحم التحديات.

          لكن يا أخي يا أبا بهاء لا تخف ولا تقلق... نحن بخير ولن يطول الأمر، أنت تعرف أن للباطل جولة ولكن للحق ألف جولة وجولة. الشعب اللبناني لن يستسلم ولن يقبل الرضوخ لسلطة مفروضة عليه تجافي قواعد الديمقراطية وتعتمد لغة السلاح. وتأكد يا أخي أبا بهاء أننا لن نفرط ببلدنا ولا بأبناء وطننا الذين قد نختلف مع بعضهم مهما تباعدت بيننا وبينهم وجهات النظر. سنبقى نبحث عن المشتركات مع إخوتنا في الوطن لنصنع منها جسورا للعبور إلى التفاهم الوطني على الأسس الوطنية التي عشت واستشهدت من أجلها.

          إني في الوقت الذي تتداعى علينا قوى البغي والظلم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، محاولة تفكيك أوصالنا وتخويف مكوناتنا المتنوعة دينيا ومذهبيا، والتي تشكل معا تلك اللوحة الجميلة من الفسيفساء الوطنية، أردد كما كنت تردد دائما وتعمل دائما من أجل صيانة العلاقات الإسلامية - الإسلامية والمسيحية- الإسلامية من الاستغلال هنا، ومن الطعن هناك، حتى تبقى هذه العلاقات وستبقى إن شاء الله صامدة ومتماسكة ومتجذرة في أعماق كياننا الوطني... إن الشموع التي أضأتها على دروب العيش الوطني في لبنان وفي العالم العربي لا تزال تنير لنا الطريق وتبدد ظلمات التآمر ومحاولات التخويف والتفرقة.

          إنني أتساءل بيني وبين نفسي، لو أن رفيق الحريري ما زال بيننا، فكيف كان سيفكر؟ كيف كان سيواجه هذا الكم من التحديات. ربما ستشعر يا أخي أبا بهاء ببعض الخيبة للحظات... لكنني متأكد انك لم تكن لتقطع الأمل بلبنان ولا باللبنانيين وعندها أعود إلى نفسي لأجدها تشاركك ذات الإيمان وذات التصميم. ولهذا فإن إيماننا بقيام الدولة ونهوض المجتمع اللبناني كبير وكبير جدا وبالتالي فإن ثقتنا ببلدنا سوف تكبر وإيماننا بتصميم وعزيمة اللبنانيين سوف يتعزز ولاسيما وأن هؤلاء اللبنانيين هم الذين واجهوا صعابا كثيرة على مدى عقود طويلة ماضية ولكنهم وبفضل تصميمهم نجحوا في أن يتلاءموا مع تحدياتها وبالتالي أن يتغلبوا على آثارها وتداعياتها.

أخيأبا بهاء...".

          وختم: لن نحيد عن الدرب الذي مشيناه معا، سنبقى مؤمنين بلبنان العروبة والاستقلال والسيادة والريادة والحرية والديمقراطية وتداول السلطة والدولة المدنية، سنعمل للحفاظ على لبنان الإشعاع وبيروت المنارة من أجل التألق والريادة الفكرية، لن نتراجع إلى الوراء، ستبقى أيدينا ممدودة للتلاقي والحوار ولن نزرع الشوك، ستبقى حدائقنا تتألق بالبرتقال وشرفاتنا عابقة برائحة الياسمين....

--------=====--------

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها