إطبع هذا المقال

الوطني الحرّ ارتكب «اخطاء تكتية» تؤدي الى الفراغ او الستين

2017-04-21

الوطني الحرّ ارتكب «اخطاء تكتية» تؤدي الى الفراغ او الستين

 

 

جورج عبيد  -"الديار"

 

ما هي مشكلة التيار الوطنيّ الحرّ مع بقيّة الأفرقاء السياسيين، وما هي مشكلة هؤلاء في الوقت نفسه معه، وهل وقع التيار في فخّ الأخطاء التكتيكيّة التي إذا استفحلت وتراكمت قد تقود لبنان نحو قانون الستين؟
مجموعة أسئلة طرحت في قالب واحد، بدأت تتدحرج رويداً رويداً، ضمن لحظة حاسمة ضاجّة بمشاريع اختلط فيها الحابل بالنابل، ليشي الاختلاط بأنّ ثمّة مآرب تزدحم بعناوينها الكبرى وتحتشد بتفاصيلها، في منطقة مأخوذة نحو محطّات جديدة، ولبنان في مساره لا يزال تحت قيود التأثير السلبيّ على الرغم من الوعاء الضابط والمنضبط بدوره بقيود التسوية الدوليّة والإقليميّة التي وفّرت له حتى هذه اللحظات الاستقرار الأمنيّ ولو بحدوده الدنيا.
مشكلة التيار الوطنيّ الحرّ، وبحسب أوساط مراقبة، مع بقيّة الأفرقاء السياسيين والأحزاب الأخرى، أنّ هؤلاء يقولون قولاً ويبدّلون فعلاً. جوهر المشكلة أن معظم الأفرقاء السياسيين يعيشون هاجس النسبيّة ولا يعيشون هاجس قانون الستين. لقد استطابوا الستين واستلذوا به، ولا يزال مذاقه حلواً في حلوقهم، فيما هذا القانون استهلك بهذا المذاق عيناً منذ التسعينيات ليبقى المسيحيون مستتبعين ومهمشين ومهشمين، لا صوت لهم يسمع ولا قرار. وبحسب تلك الأوساط، بذل التيار جهوداً هائلة باقتراحه مجموعة مشاريع انتخابية، لم تلق الصدى المطلق، ممّا جعل التيار ورئيسه جبران باسيل يتوجّس شرًّا من آليات الرفض سيّما وأن التيار يواكب هذا النقاش بإيديولوجيّة سياسيّة ثابتة وهي تزاوج النسبيّة والميثاقيّة، وهذا التزاوج في حقيقته ليس فلسفة فارغة بل فلسفة وجوديّة تخصّ العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين في بلد شاءت ظروف تكوينه أن تكون طائفيّة حتّى العظم. وتعتبر تلك الأوساط بأن صرخة المطران الياس عودة يوم عيد الفصح، تصبّ حتماً في إطار تصحيح التمثيل وإن تم حصره بالأرثوذكس فآلية التصحيح يجب ان تشمل المسيحيين والمسلمين معًا في الإدارات والمواقع.
أمّا مشكلة الأفرقاء الآخرين معه، أنهم يرون في التيار وجهاً ناطقاً لهذا العهد. فحوى النطق ومحتواه هو لبّ المشكلة. ذلك، وكما نقلت هذه الأوساط، بأنّ وجود ميشال عون على رأس السلطة قلب المقاييس وخلط الأوراق وأعاد المسيحيين في لبنان إلى واقع كاد أن يفقد، ويشاء بالتالي بهذه الاستعادة أن يجعل مسيحيي لبنان مصدر قوّة ومنعة حامية لمسيحيي المشرق العربيّ أو للمسيحيين العربّ بصورة عامّة بفعل الاضطهادات والاعتداءات الممارسة عليهم. لم يروا على سبيل المثال لا الحصر بأنّ التيار الوطنيّ الحرّ كان المبادر الأوّل بنحت علاقة وجوديّة راقية مع حزب الله بورقة عدّت ميثاقيّة بامتياز ووثيقة وطنيّة تصلح لبناء نظام سياسيّ جديد، وقد كان حزب الله في المقابل وفيّاً بأن حارب حتى النهاية من أجل وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهوريّة، وقد كلّفت تلك العلاقة حرباً قاسية بين التيار وتيار الستقبل ودول الخليج وبينه وبين القوات اللبنانيّة وحزب الكتائب في الوسط المسيحيّ، وخاضها بلا تردّد ونجح فيها نجاحاً باهراً. وقد ثبت بأنّ هذا التحالف الواضح بين التيار والحزب، أوصل بقيّة الأفرقاء خصوماً وأصدقاء إلى تسوية أدّت مؤدّاها مع وصول عون الى رئاسة الجمهورية، وسعد الحريري إلى رئاسة الحكومة من جديد آخذين بعين الاعتبار واقع المعارك في سوريا ونتائجها. وحين ارتبط التيار والقوات اللبنانية بورقة إعلان نيات وصولاً إلى تفاهم وتحالف فقط على المستوى الداخليّ المسيحيّ من دون الاتفاق على واقع الصراع في سوريا، خشي أفرقاء كثيرون من متانة التحالف وتأثيره على مواقعهم الأساسيّة بدءاً من وليد جنبلاط في الجبل وصولاً إلى سعد الحريري في بيروت والبقاع مروراً بشخصيات مسيحيّة مستقلة أو تابعة ظنّت نفسها مرذولة وواقعة تحت تأثير هذا التحالف، فلا قيمة لها قبل المرور بهذا التحالف بالذات فيما سألت تلك الأوساط وهل تكمن قيمتها باستتباعها من قبل طوائف أخرى؟؟؟
وعلى الرغم من ذلك فإنّ الأوساط عينها رأت بأنّ التيار الوطنيّ الحرّ وقع في أفخاخ بسبب أخطاء تكتيّة قد تقود في النهاية إلى الخطيئة الاستراتيجيّة بحق لبنان وهو الفراغ المرفوض أو الخضوع لمنطق قانون الستين كما هو أو معدّلاً. بدأت الأخطاء التكتيكيّة أنّه آثر منهجيّة تراكمية وإن بدت تسوويّة في إبداء مجموعة مشاريع حاول فيها صادقاً أن يقف في منطقة وسطية ترضي الجميع، فكانت تلك المنطقة بحدّ ذاتها فخّاً مسيحيّاً وإسلاميّاً جوّف تلك الأطروحات من المحتوى التسوويّ. وتتوغّل تلك الأوساط في الوقائع، لتظهر بأنّ الفخّ الأوّل كان القبول بالمختلط وفيه تزاوجٌ للنسبيّ مع الأكثريّ، وكلاهما لا يتلقيان بل يفترقان بحيث أنّ لكلّ واحد منهما منهجه المختلف، ويقود المنهجان باختلافهما ضمن خصوصيّة العناصر في كلّ منهما إلى النتيجة القائمة في قانون الستين، أي استكمال تهميش المسيحيين واستبقاء الخلل القائم في العلاقة المسيحيّة- الإسلاميّة، وهو ما يفرغ الفلسفة الميثاقيّة من جوهرها الوجوديّ النظامي والانتظاميّ. والفخّ الثاني الذي وقع التيار الوطنيّ بأنّه توغّل كثيراً في مسألة الصوت التأهيليّ، ليظهر في المقابل بأن القوات اللبنانيّة بعدت عنه كما حزب الله وتيار المستقبل لا يفضلانه. الفخّ الثالث وهو ناتج عن سوء فهم بليغ نتج من تصوير بعضهم التيار الوطنيّ بأنه في القانون المختلط مع الصوت التفضيليّ يريد تقسيم الدوائر على مقياسه هو لينأى بقوى أخرى أو يحرجها فيخرجها من المعادلة سواء على الصعيد المسيحيّ أو سواه مما جعل الموقف شديد الالتباس.
وأشارت تلك الأوساط في معرض قراءتها، بأن وقوف التيار الوطنيّ الحرّ في المنطقة الوسطيّة سيّما انه مرتبط بورقة تفاهم مع حزب الله وبورقة إعلان نيات مع القوات اللبنانيّة تطورت نحو تحالف في مجالات وتراجع بريقها أحياناً إلى خلافات واضحة كما حصل في نقابة المهندسين مؤخّرًا، يفترض به وببساطة أن يتبنّى وبفعل الرفض المطلق لمشروع اللقاء الأرثوذكسيّ، مشروعاً من مشروعين متوازنين رضي حزب الله بواحد منهما، ولم تعارضهما القوات اللبنانيّة وهما، مشروع الرئيس نجيب ميقاتي الانتخابيّ أو مشروع بكركيّ الانتخابيّ المتقارب جدّاً مع مشروع ميقاتي، وبالتالي، أن رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون تلاقى بوضوح تام مع أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله حول مشروع نجيب ميقاتي واعتبره كلّ منهما منطلقاً متوازناً للدعوة إلى الانتخابات النيابية على أساسه، وعنده في المقابل موقف متقدّم من الرئيس سعد الحريري مجاري للرئيس عون وللسيد نصرالله متبنٍّ للنسبيّة وإن كان في عمقه ميّالاً للستين في مجاراة واضحة لوليد جنبلاط، والرئيس نبيه برّي مع حركة أمل لا يختلف موقفه عن هذه الرؤية بجوهرها، أمام ذلك كان على التيار أن يمضي بصورة نهائيّة وجذريّة بتبنّي هذه الرؤية فتنفضح على أساسها معظم القوى السياسيّة، فإذا تلاقى التياران البرتقاليّ والأزرق مع الثنائيّة الشيعيّة والقوات اللبنانيّة ألا تتوفّر حينئذ أكثريّة وازنة في المجلس النيابيّ لإقرار هذا المشروع المتوازن وننقذ البلد مما يمكن أن يلجه في المراحل المقبلة من دون إلغاء وإقصاء من فريق لآخر وهو سلوك ممجوج من الجميع؟
وفي النهاية، ترى تلك الوساط وبحسب المعلومات بأنّ وضع لبنان قبل الخامس عشر من أيّار شيء وما بعده سيكون بالكليّة مختلفاً. ثمّة جهات متلاقية على تجويف العهد من فلسفة نشوئه بالدرجة الأولى، وتتلاقى تلك الجهات في دورها الداخليّ مع جهات خارجية تسعى لإدخال لبنان من جديد في الصراع حول سوريا، وتحويله من الاستقرار المتوازن إلى اللاإستقرار المتفلّت، فأرضه لا تزال رجراجة وقد تجتاحها وحول متحركة من المخيمات إلى جرود عرسال إلى الشمال، والسعي هذا أمنيّ وسياسيّ، وتملك تلك الأوساط معلومات تفيد بأن تلك القوى الخارجيّة دخلت الدائرة الانتخابيّة وهي تحرّض على رفض النسبيّة ورفض ايّ قانون يؤمّن متانة التمثيل المسيحيّ، ومتانة البعد الميثاقيّ، إنطلاقاً من استبقاء لبنان ساحة صراع مذهبيّ بالتحريض على حزب الله وسلاحه.
وترى تلك الأوساط بأن المساعي حتى قيام الساعة قد أخفقت وتختلط الأوراق بصورة دراماتيكيّة، لكنها تملك تصوّراً بأنّ رئيس الجمهوريّة سيخرج قبل نهاية المهلة بتصوّر يتبنّى فيه النسبيّة مع خمس عشرة دائرة، ويدعو مجلس الوزراء وربما مجلس النواب إلى حصر النقاش في هذا المشروع عيناً، وبرأي تلك الأوساط، إنّ هذا المشروع هو المخرج الفعليّ بإنتاج أكثرية نيابيّة داعمة له، وفيه تتزاوج النسبيّة مع الحالة الميثاقيّة ويستطيع بحسب دوائر القصر أن يؤمّن صحة التمثيل لكلّ المكونات المؤسسة للكيان اللبنانيّ.

 

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها