إطبع هذا المقال

فعلها ميشال عون ... (بقلم الكاتب والسياسي دافيد عيسى )

2017-09-25

فعلها ميشال عون ...

(بقلم الكاتب والسياسي  دافيد عيسى  )
                                                   


طرح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الوقت المناسب وفي المكان المناسب ان يكون لبنان مركزاً دائماً لحوار الحضارات والاديان.
مثل هذا الطرح لا بد وان يطرح من على منبر الامم المتحدة ليأخذ كامل ابعاده وليشق طريقه الى التطبيق في اسرع ما يمكن بعدما تكون الدول التي انصت ممثلوها الى ما قاله الرئيس اللبناني قد اخذوا المبادرة وترجموا هذا الاقتراح عملياً من خلال قرار دولي صادر عن الامم المتحدة من شأنه ان يضفي الشرعية الدولية على دور لبنان الحواري وان يكون مركزاً دولياً للحوار بين الاديان والحضارات.
هذا الدور يلازم لبنان منذ استقلاله وهو جزء من واقعه وميزته ورسالته ولكن لم يأخذ بعد هويته وابعاده الدولية ولم يتكرس رسمياً عبر قرار او توصية صادرة عن اعلى هيئة دولية.
فعلها الرئيس ميشال عون... وكان من المهم ان يتقدم لبنان بمطلبه الى الامم المتحدة، كما كان من المهم ايضاً ان يعلن هذا المشروع اللبناني مباشرة بعد انحسار ما سمي «الربيع العربي» وفي وقت بدأت حروب المنطقة تدخل مرحلة بداية النهايات وزمن التسويات.
واذا كانت هذه الحقبة الدموية من تاريخ المنطقة العربية تنطوي على سلبيات وفظائع كثيرة، فإن من بين ايجابياتها القليلة انها اكدت على تفرد وتميز لبنان بوضع خاص لا يشبه اياً من اوضاع البلدان العربية ويكتسب مناعة وقوة، بحيث ان كل الحروب لم تخترق وحدته الوطنية ونسيجه المتنوع.
وتأكد ان الخصوصية والفرادة اللبنانية في التعايش والتفاعل بين مكونات وطوائف لبنان تدخل في صلب تكوين لبنان ودوره.
من هنا فان اهمية هذا المشروع، تكمن في ابعاده الثلاثة:
1- ان تحويل لبنان الى مركز دولي لحوار الاديان والحضارات هو الترجمة العملية لمبدأ ومفهوم «لبنان الرسالة» الذي اطلقه البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني قبل عشرين عاماً.
لبنان الذي هو اكثر من وطن والذي هو المختبر الفعلي لتعايش وتفاعل الاديان، لا يمكن ان يؤدي دوره ورسالته في المنطقة والعالم الا من خلال اطر عملية وتنفيذية واولها ان يعتمد مركزاً دولياً للحوار ليصبح بذلك مركز اشعاع حضاري وثقافي ويسدي خدمة كبيرة للمجتمعات والدول وينقل تجربته الى كل العالم لتكون نموذجاً يقتدى به.
2- ان اعتماد لبنان مركزاً دولياً لحوار الاديان والثقافات وتكريس هذا التوجه بقرار دولي صادر عن الامم المتحدة انما يصب في خدمة هدف آخر وهو تكريس «حياد لبنان» واقعياً وعملياً حتى من دون صدور قرار دولي بإعلان حياده ومن دون الحاجة الى مثل هذا القرار.
فعندما يتبنى المجتمع الدولي طرح الرئيس ميشال عون في الامم المتحدة ويعتمده مركزاً دولياً للحوار يكون قد تبنى تنوعه واستقراره، ويكون هذا التبني «الحواري» بمثابة ضمانة لمستقبل لبنان وقدرته على الاستمرار في تركيبته وطبيعته الخاصة وفي ان يشكل قيمة مضافة في هذا الشرق.
بمعنى آخر لا يمكن للبنان ان يضطلع بدوره ومهامه كمركز دولي للحوار اذا لم يكن مستقراً، ومحيداً عن الصراعات والازمات والمحاور الاقليمية والدولية.
وبالتالي فإن النتيجة العملية للحوار الدولي على ارض لبنان هو توفير الحماية الدولية للبنان وتكريس حياده، وهذا مكسب كبير ومستدام للبنان الذي تتاح له وللمرة الاولى في حال اعتمد مركزاً دولياً للحوار، فرصة ممارسة دوره كاملاً وقطف ثمار هذا الدور على صعيد تعزيز وضعه الداخلي وتحصينه.
3- لبنان مركزاً دولياً لحوار وتفاعل الاديان والحضارات يعني اعلاء لشأن المسيحيين فيه وللدور المسيحي الضامن لتميزه ورسالته، ولا مبالغة في القول ان الوجود المسيحي هو مبرر استمراره بلداً متميزاً بدوره الكبير رغم حجمه الصغير، فإذا ضعف هذا الوجود ولم يعد فاعلاً ومؤثراً فإن لبنان يفقد دوره وفرادته ويصبح مجرد رقم في تعداد الدول العربية.
كما انه اذا قوي دور المسيحيين فإن ذلك سينعكس ايجاباً على وجودهم ويساهم في تثبيتهم ورفع درجة الحاجة اليهم، من هنا يجب على المسيحيين ان يعلموا بعد كل التجارب المريرة التي مروا بها، ان مستقبلهم في هذه المنطقة من العالم التي هي مهد الحضارات والاديان لا يتوقف على حجمهم وعددهم وقوتهم، وانما يتوقف بالدرجة الاولى على «الدور» الذي يرسمونه ويصيغونه لأنفسهم، ولا دور لهم خارج نطاق الحوار والاشعاع الفكري والثقافي والحضاري.
المسيحيون في لبنان بحاجة ماسة الى دور وطني افتقدوه او يكادون، وهذا الدور لم يعد يقتصر على الحوار «الاسلامي ـ المسيحي» وتثبيت العيش المشترك وانما تعدى ذلك بفعل طبيعة الصراع الجديد في المنطقة وبات يشمل الحوار «السني ـ الشيعي» وما يمكن ان يفعله المسيحيون للتخفيف والحد من وطأة هذا الصراع المتفاقم بين السنة والشيعة.
المسيحيون ليسوا طرفاً في هذا الصراع، ومصلحتهم تكمن في ان لا يكونوا طرفاً او في موقع التابع لأي فريق وانما ان يكونوا في موقع المؤثر والمبادر وعامل توازن واستقرار بين الطرفين.
وبالمقابل فإن على المسلمين، سنة وشيعة، ان يعرفوا ان مصلحتهم تكون في دعم وتعزيز الدور المسيحي ومده بكل اسباب القوة والصمود.
فقوة لبنان وقوة وحدته وعيشه الواحد واستقراره الداخلي هي من قوة المسيحيين التي لا يجب ان تخيف احداً او ان تشكل هاجساً ومصدر قلق لأحد في لبنان.
وما فعله المسلمون في العامين الماضيين على صعيد استعادة التوازن الوطني بشقيه الطائفي والسياسي، اولاً من خلال انتخاب رئيس للجمهورية يريده قسماً كبيرتً من المسيحيين، وثانياً من خلال تشكيل حكومة متوازنة، وثالثآ من خلال اصدار قانون انتخاب عادل يصب بالتأكيد في تعزيز دور المسيحيين ووجودهم وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة الخطيرة والحساسة التي تعيشها المنطقة.
ونحن اذ نثمن ونقدر مبادرة فخامة الرئيس ميشال عون الى طرح هذا المشروع وتحريكه دولياً ايماناً منه بأهمية وخصوصية لبنان ودوره وموقعه، فإننا لا ننسى ان تحويل لبنان مركزاً دائماً لحوار الاديان والحضارات كان حلماً راود الكبير السفير الراحل فؤاد الترك، وفكرة رائدة طالما سعى الى بلورتها وتسويقها داخلياً وخارجياً.
فؤاد الترك كان السباق الى طرح فكرة الحوار الدولي على ارض لبنان والى استشراف دور لبنان المستقبلي... وعسى الفكرة التي قضت مضجعه تصبح مشروعاً وقراراً دولياً، والحلم الذي راوده وناضل من اجله يصبح واقعاً وحقيقة...
فوأد الترك ايها الحبيب الغالي نم قرير العين عسى ان يتحول حلمك حقيقة.

 

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها