إطبع هذا المقال

البطريرك الراعي فـي السعودية... حـدثٌ سياســـي دينــي بــارز

2017-11-13

البطريرك الراعــــي فــــــي السعودية... حــــــدثٌ سياســـي دينــــــي بــــــــارز

الهاشم لـ "أخبار اليوم": رغبة سعودية جدّية بعلاقات ديبلوماسية مع الفاتيكان

لا نستطيع ان نجـــزم إمكانية تقديــــــم أرض خــــــلال الزيـــــارة لبنــاء كنيسة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعداد انطون الفتى

 

            13/11/2017 – (أ.ي) – على هامش التطورات السياسية في لبنان بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري الملتبسة الأسبوع الفائت، والتي ستنعكس حتماً على زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى المملكة العربية السعودية، تكتسب هذه الزيارة صبغة دينية – حضارية قد تفوق الشقّ السياسي أهمية وتأثيراً على المديين المتوسط والبعيد.

            فباستثناء زيارات لبعض المطارنة الى السعودية، في مناسبات معينة، لم تشهد المملكة زيارات بطريركية في العصر الحديث إلا عام 1975، عندما استقبلت بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس الياس الرابع، والتي كانت لتهنئة الملك خالد وولي عهده الأمير فهد. يومها قال الأمير فواز للبطريرك الياس الرابع: "في هذه المرحلة التاريخية حيث ينسلخ العالم عن الايمان، أصبح من مسؤولياتنا المشتركة ان نسعى الى ترسيخ الايمان بالله في كل أقطار الأرض"، فيما ردّ البطريرك الأرثوذكسي بالقول: يبقى العالم فارغاً ما دام الله لا يملأ قلب الإنسان. فالعلم والخبرات لا تعني شيئاً إذا لم يكن وراءهما قلب إنساني مؤمن حسّاس".

            اليوم، تغيّر المشهد كثيراً على أكثر من صعيد ومستوى. فالعالم كله بات مقسوماً بين تيارين أحدهما غارق في علمنة تلامس الإلحاد بحجّة حوار الثقافات والحضارات والأديان والتلاقي مع الآخرين، والآخر غارق بدوره في تشدّد ديني أعمى لاهث وراء طقوس وعادات دينية أفرغها من جوهرها وهدفها الذي هو الله، وجعلها غاية بحدّ ذاتها. وبالتالي، فإن ترسيخ الايمان الحقيقي ليس الشغل الشاغل لأي دولة أو جهة...

            كما تأتي الزيارة البطريركية للراعي على وقع حملة اعتقالات قامت بها السلطات السعودية منذ الصيف الفائت بحقّ دعاة إسلاميين وكتّاب ومفكّرين وشعراء، وقضاة في المحاكم الجزائية وكتّاب صحف ومنشدين إسلاميين ومحلّلين اقتصاديين وأساتذة أكاديميين، أكثرهم ينتمون الى تيار "الصحوة" الإسلامي الذي انتشر في المملكة منذ الثمانينيات.

            وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تعهّد الشهر الفائت بأن يقود بلاده الى "الإعتدال والإنفتاح على العالم وتدمير الأفكار المدمرة". وقال بن سلمان خلال مشاركته في جلسة حوارية ضمن منتدى "مبادرة مستقبل الإستثمار": نحن فقط نعود الى ما كنّا عليه، الإسلام الوسطي المعتدل المنفتح على العالم وعلى جميع الأديان والتقاليد والشعوب. نريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، وسوف نقضي على بقايا التطرّف في القريب العاجل.

            وشدّد محمد بن سلمان على أن "الأفكار المدمرة" بدأت تدخل السعودية عام 1979 في إطار مشروع "صحوة" دينية تزامنت مع قيام الثورة الإسلامية في ايران...

            كما تحمل زيارة البطريرك الراعي الى السعودية نكهة مغايرة لزيارة البطريرك الياس الرابع إليها. فرغم أن للكنيسة الأرثوذكسية بعداً مشرقياً أكبر من الذي تتمتّع به الكنيسة المارونية التي يعتبر لبنان عرينها الأساسي، إلا أن المملكة تتعامل مع البطريرك الماروني على أنه ممثل لمسيحيي الشرق الأوسط كلهم، نظراً لما تتمتّع به الكنيسة المارونية من انفتاح على العالمين الغربي والشرقي معاً، بالمعنى الديني – السياسي، يمكّنها ايضاً من أن تكون عاملاً مساهماً ومسهّلاً في أي حوار ديني – سياسي لاحق بين السعودية والفاتيكان مثلاً، او بين المملكة ودول ترتبط بعلاقات تاريخية مع الكنيسة المارونية... وهو ما لا يمكن لأي كنيسة مشرقية أخرى ان تقدّمه الى السعودية.

السعودية منفتحة...

            استغرب المطران بولس منجد الهاشم تعجّب الكثيرين ودهشتهم من توجيه السلطات السعودية دعوة الى البطريرك الراعي لزيارة المملكة. وقال في حديث الى وكالة "أخبار اليوم": السعودية بلد كبير ومهم جداً. فبالنسبة الى العالم الإسلامي هي بلد الحرمين الشريفين، ومكان ولادة الرسول وانطلاق الديانة الإسلامية، مؤكداً أنها بلد منفتح أكثر مما يفكر الناس، والدليل هو وجود مئات آلاف المسيحيين الذين يعملون ويعيشون فيها، وهي ليست كما يفكر البعض أنها بلد يسوده التعصّب والفكر الإسلامي الوحيد.

            وأشار الى أن السعودية، الى جانب اهميتها الكبرى والأولى إسلامياً، منفتحة كثيراً على الديانة المسيحية، إذ كان للرسول انفتاح ايضاً على المسيحيين، كما كانت لديه علاقات معهم. ولا ننسى ان المسيحيين لعبوا دوراً مهماً في النهضة الإسلامية والعربية، وهم كانوا موجودين في الخليج والسعودية منذ ما قبل مجيء الإسلام، فضلاً عن ان كثيراً من الناس كانوا متأثرين بالدين المسيحي.

            وشرح المطران الهاشم الفترة التي كان يشغل خلالها منصب سفير بابوي لدى دول الخليج، فقال: كنت سفيراً بابوياً في كل دول الخليج بسبب وجود علاقات ديبلوماسية بين الفاتيكان من جهة، والكويت واليمن وقطر والبحرين والإمارات وعمان من جهة أخرى، وكنت في تلك الفترة مقيماً في الكويت. كما شغلت ايضاً منصب قاصد رسولي في الجزيرة العربية، بمعنى انه كانت لديّ علاقة ودور ومسؤولية تجاه المسيحيين في الدول التي ليس لديها علاقات ديبلوماسية مع الفاتيكان كالمملكة العربية السعودية.

            واستطرد المطران الهاشم قائلاً: أشير في هذا الإطار الى أن الديبلوماسية في العالم بدأت من الفاتيكان ولدى بابا روما، إذ كان البابا أول شخص على وجه الأرض لديه ممثلين لدى الأباطرة والحكّام والبطاركة الآخرين، ومن هنا نشأت العلاقات الديبلوماسية بين الدول، وكانت بفضل الكنيسة الكاثوليكية.

كهنة وقداديس في السعودية

            وقال المطران الهاشم: ذهبتُ الى السعودية مرّات عدّة وزرت المسيحيين فيها. يوجد عدد من الكهنة الذين يقيمون القداديس في السفارات وبعض الأماكن بعلم السلطات السعودية. وأؤكد أنه توجد رغبة جدّية وأكيدة من السلطات السعودية لإقامة علاقات ديبلوماسية مع الفاتيكان. لكن في الوقت الحاضر توجد صعوبات، ومنها عدم وجود أماكن عبادة للمسيحيين وحرية دينية كاملة، ولهذا السبب يرفض الفاتيكان العلاقات الديبلوماسية رغم مطالبة السلطات السعودية بذلك، لأن للفاتيكان شروط وهي حصول حرية دينية في السعودية.

            واشار الى أهمية زيارة البطريرك الراعي الى السعودية بناء على دور الموارنة الكبير والمهمّ في المنطقة على أكثر من صعيد. فقال: للكنيسة المارونية أهمية كبرى أكان بسبب عدد أبنائها، خصوصاً في لبنان، أو انتشار الموارنة في الدول العربية كلها.

            وأضاف: لا ننسى أن في سوريا لدينا 3 أبرشيات مارونية هي أبرشيات دمشق واللاذقية وحلب، ولدينا أبرشية في قبرص وأخرى في مصر، بالإضافة الى حضور كبير في دول الخليج والدول العربية كلها. الموارنة موجودون ولديهم أهمية بسبب أعدادهم وتاريخهم. فهم موجودون منذ ما قبل الإسلام، والعلاقة بينهم وبين المسلمين كانت جيدة رغم الصعوبات والإضطهادات أحياناً بسبب وجود حكام مسلمين متعصّبين أو أجواء حرب، كما حصل في الفترة التي تمّ خلالها إحراق البطريرك جبرائيل حجولا والبطريرك دانيال الحدشيتي أيام المماليك.

            ولفت المطران الهاشم الى وجود الظاهرة المارونية ايضاً، إذ إن الكنيسة المارونية قامت على الإتحاد الكامل والكلّي مع كرسي روما، وكان لها الدور المهم والأساسي في علاقات المسيحيين كلهم مع الغرب وروما، وفي علاقات الجميع ومنهم المسلمين مع الدول الغربية.

            وتابع: لا يمكن لأحد أن ينكر أهمية المدرسة المارونية التي تأسست في روما والعلماء الموارنة الذين نقلوا الى الشرق الثقافة الغربية، كما نقلوا الى الغرب الثقافة الشرقية، وهنا أهمية لبنان ودوره.

أول كنيسة في السعودية؟

            وعن إمكانية أن يشكل البطريرك الراعي جسر تواصل وتيرته سريعة بين الفاتيكان والسعودية، أكد المطران الهاشم ان العلاقات موجودة وجيدة بين الدولتين. وقال: أنا شخصياً قمت بترجمة مقابلة جرت بين البابا القديس يوحنا بولس الثاني ووزير خارجية السعودية عام 1979 الأمير سعود الفيصل. وكانت مقابلة رائعة لا أستطيع أن أقول ماذا حدث أو حُكيَ خلالها، لكني اؤكد أنها كانت مقابلة مهمة جداً جداً جداً، إذ طرح وزير الخارجية السعودي مواضيع مهمة مع قداسة البابا. ولا ننسى أن المرحوم الملك عبدالله زار البابا مرتين.

            وأضاف: حالياً تحصل مباحثات جدّية بين وزيري خارجية الفاتيكان والسعودية لبحث العلاقات. أنا لا أقلّل من أهمية زيارة البطريرك الراعي الى المملكة، لكن العلاقة بين السعودية والديانة المسيحية والكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان بصورة خاصة، لا تتوقف عليها حصراً.

            وعن إمكانية ان تقدّم السعودية قطعة أرض الى الكنيسة المارونية لبناء كنيسة، خلال زيارة البطريرك الراعي، أجاب المطران الهاشم: هذه المواضيع تأتي لاحقاً. لا نستطيع أن نجزم أي شيء في هذا الإطار حالياً. توجد صعوبات في الوقت الراهن، وهي تحتاج الى وقت. واؤكد أنه يوجد من قِبَل الحكومة والملك وأعضاء العائلة المالكة في السعودية إرادة طيبة وانفتاح كبير، لكن توجد صعوبات ايضاً لا استطيع و"مش شغلتي إحكي عنها"، لكن الصعوبات عشتها وعرفتها سواء من خلال لقاءات الشخصيات السعودية مع الباباوات او السلطات الفاتيكانية، أو من خلال وجودي كقاصد رسولي في السعودية وسفير بابوي في دول الخليج.

------=====------

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها