إطبع هذا المقال

سليمان في مؤتمر مسيحيي المشرق: مستقبل المسيحيين يكون بتعزيز منطق الاعتدال

2013-10-26

أكـــد تلقيه رسالة مــــن امير قطر اكــــد فيها بـــــذل جهوده للافراج عـــن المطرانين
سليمان في مؤتمر مسيحيي المشرق: مستقبل المسيحيين يكون بتعزيز منطق الاعتدال
لا بالتقوقع والانعزال والحمايــــة العسكريّة الأجنبيّة والتماهي مــــع الأنظمة المتسلّطة
تأكيد خيـــار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبــدأ التمييز بين الشعوب
الراعي: لا هجرة ولا خوف ولا تقوقع ولا قوة بشرية تستطيع اقتلاعنا من هذا الشرق
 
(أ.ي) - اكد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تلقيه رسالة من امير قطر الشيخ تميم اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين المخطوفين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز، معربا عن قناعته  انه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. ورأى إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز الذي قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي ورعى حماية الاقليات قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة.
وشدد على انّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، معتبرا ان هذا المستقبل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة التي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وإدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، ولا يكون بالتقوقع والانعزال وبالحماية العسكريّة الأجنبيّة او بما يسمّى «تحالف الأقليّات» والتماهي مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة.
واذ عدد الاخطار التي تهدد مسيحيي الشرق منبها الى خطر التطرّف والغلوّ على الاعتدال والديموقراطيّة وروح التسامح والإخاء، فان الرئيس سليمان اعتبر ان تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق
كلام الرئيس سليمان جاء في خلال كلمة القاها في المؤتمر العام الاول لمسيحيي المشرق الذي انعقد قبل ظهر اليوم في مركز حوار الحضارات العالمي في الربوة بحضور  الرئيس حسين الحسيني والنائب العماد ميشال عون ونائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل ووزراء ونواب وبطاركة الكنائس المشرقية ووزراء ونواب ورؤساء أحزاب وفعاليات من لبنان والمشرق ودول العالم.
البطريرك الراعي
وكان الرئيس سليمان وصل قرابة العاشرة والربع الى المركز ليفتتح المؤتمر اعماله بالنشيد الوطني. ثم ألقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ابتهالا قال فيه: "يا رب، نحن نلتقي اليوم باسمك، تحت أنوار روحك القدوس، وحماية أمنا مريم العذراء سيدة لبنان، باسم جميع مسيحيي الشرق. فبارك لقاءنا وألهمنا العمل لكي يحافظ المسيحيون على وجودهم الفاعل في بلدان الشرق الأوسط، ويواصلوا بناء الشركة فيما بينهم، وإداء شهادتهم لمحبة مسيحك في مجتمعاتهم تجاه كل إنسان وشعب على تنوع الانتماءات. وبدالة الأبناء نهتف إليك: "أبانا الذي في السماوات..." (تتلوها الجماعة). لقد رسمت لنا يا رب، بعنايتك الفائقة، خريطة الطريق في الإرشادين الرسوليين: "رجاء جديد للبنان" للطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني، و"الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة" الذي سلمنا إياه منذ عام قداسة البابا بندكتوس السادس عشر. واليوم تدعونا، بلسان قداسة البابا فرنسيس، لبناء السلام في القلوب أولا ثم بين المتخاصمين والمتنازعين بالتلاقي والحوار والمفاوضات على أسس من الحقيقة والعدالة، نابذين بإدانة شديدة الحرب والعنف والإرهاب. فأنت يا رب، تركت لنا الوصية الآمرة: "لا تقتل" و"أحبب قريبك مثل نفسك" (متى 22: 39)".
أضاف: "إننا ندرك مدى الصعوبات والمحن والتحديات. لكنك تجدد لنا الضمانة لمواجهتها بصبر ورجاء، وللتغلب عليها بقوة إنجيل السلام وصليب الفداء وبروح المحبة المسكوبة في قلوبنا. والضمانة هي أنت، أيها المسيح الإله، فتقولها لجميع مسيحيي الشرق: "سيكون لكم في العالم ضيق. لكن تقووا أنا غلبت العالم" (يو16: 33). في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" يدعونا روحك القدوس للانفتاح الدائم على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان وسائر البلدان العربية. ذلك أن مصيرا واحدا يربط بيننا وبين المسلمين، وثقافة خاصة بنيناها معا على مدى ألف وأربعماية سنة، وهي تحمل الطابع الذي رفدته به حضاراتنا المتنوعة والمتعاقبة، على مختلف الأصعدة الدينية والأخلاقية والثقافية والفنية (الفقرة 93). إننا فخورون بتراثنا، يا رب، فساعدنا بنعمتك لنحافظ عليه، ونربي الضمائر على نبذ الحرب والعنف، واعتماد لغة الحوار والتلاقي بدلا من السلاح. وهكذا نساهم في بناء السلام الحقيقي الذي وهبته للعالم، سلام الحقيقة والعدالة، سلام المحبة والحرية، سلام حقوق الإنسان وكرامة الشخص البشري وقدسيته. إنه سلام إنجيلك الداعي إلى تحرير كل إنسان وشعب من القيود التي تفقده حرية أبناء الله، ولاسيما حرية الرأي والتعبير وحرية العبادة والمعتقد وفقا لخيارات العقل المستنير بالحقيقة المطلقة، ولخيارات الضمير المصغي للتعليم الإلهي ولشريعة الله ووصاياه".
وتابع: "في قلب النزاع السياسي - المذهبي الدائر في المنطقة، الذي أدى إلى العنف والحرب، أنت تدعونا يا رب، لنكون صانعي سلام (متى 5: 9). نحن ندرك أن السلام الدائم والكامل لا يأتي إلا منك يا الله. إنه سلام المسيح الذي أعطي لنا: "سلامي أعطيكم، سلامي استودعكم" (يو14: 27). ولكن من واجبنا ان نعمل من أجل إحلال العدالة وتحقيق التنمية وإجراء المصالحة وتعزيز الوفاق. وتعلمنا، أنت يا "أمير السلام" (أشعيا 9: 5)، أن "القيام بمبادرات سلام لكفيل بأن يجرد الخصم من سلاحه الذي يقتل ويدمر، وغالبا ما يحمل الخصم على التجاوب بإيجاب وباليد الممدودة، لأن السلام يبقى للجميع الخير الأسمى. يذكرنا تاريخنا المسيحي أن قديسين كثيرين كانوا ينبوع المصالحة بمواقفهم المسالمة، المرتكزة على الصلاة وعلى الاقتداء بسلامك أيها المسيح (الفقرة 98)".
وقال: "إننا، بروح السلام والتضامن الاجتماعي والنشاط الإنمائي، وتربية الضمائر، وبتعزيز مؤسساتنا التربوية والاستشفائية والإنسانية، نعمل بالاتكال على قدرة عنايتك يا رب، من أجل أن نحافظ على وجودنا المسيحي في بلدان الشرق الأوسط، منذ ألفي سنة، متصدين لنزيف الهجرة، بهدف أن نكون فيها مساهمين في قيام مؤسسات أوطاننا وطبعها بالقيم الإنجيلية، ولاعبين دورنا في الحياة العامة بروح التجرد من المصالح الخاصة والفئوية، والالتزام بتوفير الخير العام الذي منه خير الجميع وخير كل إنسان. وإننا بذلك نواصل عمل الآباء والأجداد كرواد للنهضة العلمية والاجتماعية والثقافية، ولنهضة الإنماء الاقتصادي وترقي شعوبنا ومجتمعاتنا".
أضاف: "لقد اخترت يا رب، بسر تدبيرك، أرض الشرق الأوسط لكي تتجسد عليها وتحقق فيها سر الخلاص، وترفع صليب الفداء. وهكذا اتحدت نوعا ما مع كل إنسان. نحن نؤمن أن هذا الشرق الأوسط هو مكان "تجسدنا"، لقد أردته لنا لكي نساهم في تحقيق مشروعك الخلاصي، أيها الإله. إننا نتمسك بوجودنا في بلداننا المشرقية، لأنها مكان التعبير عن محبتك لجميع الناس والشعوب، ولأننا سفراؤك لرسالة نبيلة، هي منك، لا من صدفة أو قدر محتوم. لقد جمعتنا، أيها المسيح، بالروح القدس، لنكون جسدا واحدا فيك وبك ومعك. وصليت إلى الآب لكي نكون ثابتين في الوحدة، على صورة اتحادك بالآب (راجع يو 17: 11). وبذلك نشهد لعالمنا، في هذه البقعة من الأرض، انك أنت مبدأ وحدتنا وصانعها، وأن شريعة المحبة توحدنا، وهبة الحقيقة تحررنا (راجع يو15: 9-10 ؛ يو8: 32). نكون واحدا فيك أيها المسيح، لكي يصبح المسيحيون في أوطانهم رسل المحبة والحقيقة والحرية. وعلى هذا الأساس، وجودهم في المؤسسات الوطنية والدولية ضروري ونافع ومفيد مثل الخميرة في العجين، والملح في الطعام، والنور في الظلمة (راجع متى 5: 13-14؛ متى 13: 33-35). ويدعونا روحك القدوس، في الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط" لتعزيز وحدة المسيحيين في إطار احترام غنى كل جماعة، بحيث تأتي وحدتنا غنية بتقاليد الجماعات الكنسية، الليتورجية والروحية والتاريخية واللاهوتية. ويذكرنا الروح في هذا الإرشاد بأن الوحدة هبة من الله، وتنبع من المواظبة على الصلاة ومن التوبة التي تجعل كل شخص يعيش وفقا للحقيقة وفي المحبة. هذه المسكونية الروحية هي روح الحركة المسكونية الحقيقية (الفقرة 12)، وهي الدافع إلى عيش مسكونية الخدمة في المجالات الاجتماعية والتربوية والاستشفائية والإنمائية".
وتابع: "إنك تدعونا، يا رب، لنكون واحدا على تنوع كنائسنا، من أجل الشهادة والخدمة والرسالة. فلا هجرة ولا خوف، وبخاصة لا تقوقع ولا ذوبان. فالتقوقع يلغي رسالتنا، والذوبان يقضي على هويتنا. من أجل هذه الرسالة والشهادة، زرعت كنيستك، أيها المسيح، في أرض هذا الشرق. وما من قوة بشرية تستطيع اقتلاعها منه. وهي تدرك أن نهجها يبقى نهج "حبة الحنطة" (يو12: 24)، أي الموت والقيامة. وفيما يواجه أبناؤها وبناتها الألم والاضطهاد والموت، ساعدهم ليهتفوا معك: "أيها الآب مجد اسمك" (يو17: 1)، وليضموا آلامهم إلى آلامك، فتصبح "آلام مخاض" (رؤيا 12: 1-18) يولد منها إنسان جديد وعالم جديد".
وقال: "لقد أفضت علينا، أيها الرب يسوع روحك القدوس، روح العنصرة الذي جعلنا مسيحيين في كياننا الداخلي، وأردتنا لك شهودا في هذا المشرق وإلى أقاصي الأرض (راجع أعمال 1: 8): شهودا لمحبتك لكل إنسان، دونما تمييز في العرق واللون والانتماء؛ شهودا لشركة الاتحاد بالله، الواحد والثالوث، ولشركة الوحدة بين جميع الناس؛ شهودا للأخوة الشاملة على تنوع العائلات والأديان والثقافات".
 
وختم: "أعطنا أيها الرب يسوع أن نقدم دائما هذه الشهادة بشجاعة وصبر وثبات. وأنت يا مريم، أمنا وأم المسيحيين والكنيسة، ويا سيدة لبنان وسلطانة السلام، ساعدينا، بتشفعك لدى الإبن الإله، لكي نصنع دائما ما يقوله لنا في جميع مراحل حياتنا ورسالتنا (راجع يو2: 5). فيرتفع دائما وإلى الأبد من قلوب مسيحيي المشرق، في جميع بلدانه، نشيد المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".
المطران مظلوم
ثم القى امين عام اللقاء المطران سمير مظلوم كلمة رحب فيها بالرئيس سليمان لافتا الى تشجيعه المؤتمر. واذ شدد على ان المسيحيين هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما أن المسلمين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين، فانه تساءلأين أصبحنا من العيش المشترك والتعاون الأخوي؟ وهل ما جرى ويجري في العراق، وفي مصر، وفي سوريا، وفي فلسطين، وفي لبنان... يطمئن المؤمنين المسيحيين أمام تفلّت الغرائز، والتعصب الأعمى، والتطرف الرافض للآخر والذي يدفع المسيحيون جزأ من ثمنه؟ وتابع متسائلا: أين صوت إخواننا المسلمين المعتدلين الذين يشكّلون الأكثرية الساحقة، وهم مهدّدون بالتطرف والتكفير مثل الآخرين؟.
ورأى إن الوعي التاريخي والتجربة التاريخية يحمّلان المسيحيين اليوم مسؤولية تاريخية تمنعهم من الاستسلام لمنطق العدد، وللقدر التاريخي، أو الاقتناع بوجود قدر تاريخي، وتحثهم على تجديد الثقة بأنفسهم  لافتا الى ان حضورهم ومستقبل دورهم في هذه المنطقة، يتجاوزان، في نظر الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط"، حدود الواقع إلى مستوى الالتزام، وتبنّي الواقع لا الهروب منه، لأن لهم دور وساطة يجب أن  يقوموا به في هذه المنطقة، وهو دور مصالحة.  اضاف: لا يخفى أن الإرشاد ينتظر من المسيحيين دورا رياديا على صعيد الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط، الا وهو الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو يدعوهم الى لعب دور الوساطة لمصالحة تاريخية بين فريقي هذا الصراع.  هذا يعني أن حضور المسيحيين ومستقبلهم مرهونان برؤية مقرونة برجاءٍ كبير يكونون حاملي مشعله.
سليمان
وبعدما القى المطران الياس كفوري ممثل البطريرك يوحنا العاشر دعاء من اجل المطرانين المخطوفين يازجي وابراهيم، القى الرئيس سليمان الكلمة الاتية:
ليس المنفى أو الهجرة دائماً طريقاً أو سفراً. فللمنفى وجهان: داخلي وخارجي، والمسافة بينهما ليست مرئيّة تماما.
غياب الحريّة منفى،
والغربة عن المجتمع وثقافته منفى،
إكراه السلطة الجائرة وعبء بعض التقاليد منفى،
الحاجة والعوز والفقر منفى،
استدامة حالات الحروب الأهليّة والخارجيّة منفى
تكاد هذه الصورة الرمزيّة ان تنطبق على أحوال السواد الأعظم من مسيحيي المشرق وبلاد النيل، الذين شكّلوا ما يقارب الخمسة والعشرين في المئة من مجمل السكّان في أوائل القرن العشرين، ليتضاءل عددهم إلى نسبة ستة في المئة تقريباً في السنوات الأخيرة نتيجة عوامل عنفيّة عديدة، قبيل وبعد انهيار الامبراطوريّة العثمانيّة، ثّم اندلاع الصراع العربي – الاسرائيلي وسلطان الاستبداد والديكتاتوريّة، وتوالي الانتكاسات على أكثر من صعيد، بالرغم مما حملته النهضة وأدبيّات الفكر القومي الجامع من أمل بانتظام العلاقات بين مختلف مكوّنات المشرق العربي تحت راية العروبة الموحّدة والضامنة.
أما اليوم، مع اهتزاز الفكرة القوميّة، وتنامي الحركات الأصوليّة الرافضة للآخر المختلف، على محدوديّتها، عادت مشكلة الأقليّات، كما يعرّف عنها البعض، إلى دائرة التفاعل والاهتمام في ضوء سلسلة طويلة ولكن معزولة حتى الآن، من حوادث العنف والاعتداء.
إنّ الأخطار التي تهدّد مسيحيي الشرق مدار بحثكم اليوم، أصبحت معروفة، وأهمّها تقلّص في الوجود الديموغرافي والجغرافي ونزيف الهجرة وتراجع الدور في القرار السياسي والاقتصادي باستثناء لبنان، وارتفاع صوت العصبيّة الطائفيّة والمذهبيّة، واندلاع المسألة الدستوريّة بشأن مدى الفصل بين سلطة الدولة ومؤسساتها وأحكام الشريعة ومفاهيمها السياسيّة، بالتزامن مع الحراك الشعبي القائم، على ما يحمله من آمال ويشوبه من تطرّف وعنف. كما أنّ إصرار المسؤولين الإسرائيليين على تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
إلا أنّ ما يدعو إلى تبديد القلق أنّ التحوّلات العاصفة لم تكرّس في أيّ بلد الفكر الأحادي المطلق، حيث تبرز محاولات للتوفيق والمواءمة بين المفاهيم والنظم، كمثل ما ذهبت إليه وثيقة الأزهر مثلاً في الحديث عن الدولة الوطنيّة من دون تحديد صفات أخرى للدولة. وقال بعض الفقهاء والمفكّرين بالدولة المدنيّة أيّ الدولة غير التيوقراطيّة من دون أن تكون دولة محايدة بين الأديان. ومن الأمور المشجّعة على التفاؤل أيضاً أنّ لبّ المشكلة لا يكمن في المعتقد الديني بل في العصبيّة. فالخطر الأكبر للتطرّف والغلوّ إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى هو على الاعتدال وعلى الديمقراطيّة الحقّة وروح التسامح والإخاء التي طالما سادت على مساحة العالم العربي ووحّدت الشعوب والقلوب على قاعدة الانتماء القومي والقيم الروحيّة والإنسانيّة السامية.
وفي مطلق الأحوال فإنّ معركة الدساتير الجديدة يجب أن تركّز برأينا على ما يخدم وحدة المجتمعات وعزّتها والكرامة الإنسانيّة لكلّ فرد من أفرادها على قاعدة ما توصّلت إليه البشريّة من مكتسبات على صعيدي الحريّة وحقوق الإنسان بقطع النظر عن دينه أو لونه أو عرقه، على ما نصّ عليه الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الخاص بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليّات قوميّة أو إتنيّة أو دينيّة أو لغويّة الذي أقرّته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 كانون الأوّل 1992.
إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة فلبنان تأسّس ككيان حريّة، وأنبت في العصر الحديث حريّات عدّة تأصّلت فيه، من حريّة المعتقد إلى حريّة الرأي والتعبير وصولاً إلى حريّة الاجتماع وسائر الحريّات العامة المتعارف عليها في الأنظمة الديموقراطيّة الحديثة.
وإلى الحريّة، رعى الكيان اللبناني حماية الأقليّات، أقليّات الدين والرأي والموقف والسياسة، وجميع الأقليّات التي تباينت بالرأي والمعتقد مع الأكثريّة فاجتمعت فيه لصون معتقداتها ومواقفها. وشكّلت مكوّنات ثقافيّة وحضاريّة متنوّعة في إطار من الوحدة والإغناء المتبادل. وتم التعبير عن ذلك في النظام من خلال خصوصيّة التوازن والمشاركة في السلطة لجميع الطوائف.
إنّ الآباء المؤسّسين للنظام اللبناني أدخلوا في تجربتهم وعبر الميثاق الوطني بعداً جديداً على الديموقراطيّة هي ديموقراطيّة الجماعات وهي التي تترك الحيّز المعهود للأفراد بحقوقهم وواجباتهم وتتعاطى في الوقت نفسه مع الجماعات، محاولة أن تقيم بينها لعبة سياسيّة قائمة على القبول المتبادل. كذلك فإنّ لبنان وخصوصيّة المسيحيين فيه كانا دائماً واقعاً حاضراً في حياة مسيحيي الشرق وفي نظرتهم إلى واقعهم ومستقبلهم.
لبنان الكيان والنظام والنموذج لعيش الأديان والجماعات المختلفة، قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي، أيّ العيش بين المسيحيين والمسلمين بالمساواة المطلقة كينونة وشرعاً.
العيش المشترك لا يعني تجاور المسلمين والمسيحيين في مكان واحد أو أرض واحدة أو دولة واحدة. فهذا التجاور الاجتماعي والمعيشي عمره في الشرق أكثر من ألف وأربعمئة سنة، إلاّ أنّه أعطي في لبنان بالذات صورته الفضلى، وقد غدا للشرق والغرب رسالة حريّة وعيش مشترك وتكامل مبدع. فالعيش المشترك ليس التعايش الاجتماعي في علاقاته الأفقيّة من تجارة وتجاور وتعامل. إنّ العيش المشترك هو العيش المشترك السياسي بعلاقاته العاموديّة، أيّ علاقات الحاكم والمحكوم على قياس واحد من المساواة والمشاركة. إنّه مشاركة في الحكم والسلطة داخل إطار القبول والرضى المتبادل. فلا لتحكّم الأكثريّة الساحقة التي تؤدّي إلى هيمنة العدد، ولا للأقليّة المهيمنة التي ينتهي حكمها إلى الديكتاتوريّة.
إنّ العيش المشترك يعني عدم التقوقع على الذات أو الاستعلاء على الآخرين. إنّه يعني الدخول مع الآخرين في حوار دائم والتفاهم والتعامل معهم على قدم المساواة. إنّه يعني أيضاً تحقيق الذات مع الآخر وليس ضدّه أو على حسابه أو ضدّ الذات أو على حسابها. في المقابل فإنّ المطلوب من الآخر المختلف تقديم الهويّة الوطنيّة على الهويّة الدينيّة واحترام الخصوصيّات وتعميم ثقافة التسامح والمحافظة على الأصل التاريخي لهويّة البلد المتعدّد ونواته الحضاريّة الأقدم بعيداً عن ثقافة أحقيّة الغالبيّة وغلبتها. إنّ هذا النموذج يحتاج دوماً إلى دولة قويّة بمؤسسات منبثقة من عمليّة ديموقراطيّة سليمة.
إنّنا نعتقد مع شارل مالك بأنّه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. وإذا تفشّت لدى المسيحيين عقدة الشعور الأقلويّ ورضخوا له، حكموا على أنفسهم بالذوبان وفقدان الذات،وحكم على تاريخهم بالانفتاح والإقدام والعيش الحرّ الذي بنوه مع إخوانهم في المجتمعات الشرقيّة على مدى قرون. ورغم الاعتداءات المتكرّرة في فترات معيّنة على غرار الخطف والاحتجاز المشينين للمطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم، والتي ننظر إلى مساع حثيثة ونشطة لتحريرهما سالمين مكرّمين، وخاصة اني تلقيت رسالة من امير قطر الشيخ تميم اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز،فإنّنا على ثقة بأنّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، أيّ أنّه مزيج من المصاعب والإمكانات، الإخفاقات والنجاحات، ومحكوم دائماً بالتحدّي والاستجابة له. وهذا ما ينطبق على نظرة ارنولد توينبي إلى مجرى التاريخ البشري. بمعنى أنّ مستقبل الجماعات محكوم بقدرتها دائماً على الاستجابة للتحديات التي يفرضها عليها واقعها ومحيطها. وفي ظنّي أنّ التحدّي المطروح على المسيحيين في لبنان والشرق هو الحؤول دون أن يصبح الشرق منطقة رتيبة معقّمة حيث لا وجود لتنوّع الأديان وامتزاج الحضارات المثمر.
لقد أظهرت زيارة قداسة البابا السابق بيينديكتوس السادس عشر للبنان في العام 2012، وقبلها زيارة قداسة البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني في العام 1997، مدى حيويّة الوجود المسيحي في لبنان ونوعيّة الشراكة البنّاءة القائمة بين المسيحيين والمسلمين، بإرادة حرّة وواعية والتي يقع علينا واجب تعميقها وتثميرها. كذلك شكّل الإرشادان الرسوليان الموجّهان إلى مسيحيي لبنان ومسيحيي الكنائس الشرقيّة خريطة طريق فعليّة لطبيعة علاقتهم بين بعضهم البعض، ومع إخوتهم المسلمين، وفي محيطهم العربي. ومن المفترض بهذه الإحاطات المرشدة والمضيئة أن تشكّل عناصر فرح وأمل ورجاء ومنطلقات لعزم جديد، لن تقوى عليه الشدائد، بالرغم من أجواء القلق الظرفيّ السائدة.
وإذا ما اعتبرنا الهجرة غربة للفرد وخطراً وجودياً للجماعة، وتفريطاً بما إئتمنّا عليه من أرض وإرث وقيم، فإنّ مستقبل المسيحيين المشرقيين لا يكون بالتقوقع والانعزال، لأنّ ذلك مخالف لطبيعة رسالتهم ولتاريخ تجذّرهم في الشرق ومساهمتهم في نهضته وعزّته ونضالاته؛
ولا يكون بالحماية العسكريّة الأجنبيّة، لأنّها مشروع بائد ومستفزّ ويتنافى مع عمق انتمائهم القومي؛
ولا يكون بما يسمّى «تحالف الأقليّات»، لأنهّ منطق مواجهة مرفوضة ومشروع حرب دائمة ومدمّرة؛
ولا يكون بالتماهي بشكل عام مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة، لأنّ فيه مشروع عداوة مع الشعوب ويتناقض مع روح الدين المسيحي الرافض لأيّ قهر أو ظلاميّة أو ظلم؛
بل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة، التي تحترم حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة، بما في ذلك حريّة العبادة وممارسة الشعائر الدينيّة، والتي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وفي إدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، بل استناداً الى ما تمثّله وترمز إليه من تنوّع مثري للذات العربيّة في أبعادها الفكريّة والثقافيّة والعلميّة.
مشروع المسيحيين في الشرق هو مشروع كلّ مواطن، إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى، يتوق إلى الحريّة والعدالة والسلام والتنمية. على هذا أعاهدكم في يوم انطلاقتكم، وأتمنى النجاح لأعمالكم، تقدمون عليها بفكر مستنير محبّ، وعقل راجح وجامع، معزّزين بذلك فكرة الحوار بين الحضارات والثقافات والديانات الذي أقمتم له مركزاً مرموقاً في هذا الصرح بالذات وقد افتتحناه في   10 ايار 2011.
إنّكم أصحاب حقّ ورسالة وصاحب الحقّ لا يموت وناشر الرسالة لا يستسلم.                                     
درع
وفي ختام الافتتاح، قدم اعضاء الهيئة الادارية  الى رئيس الجمهورية درعا تذكاريا قبل التقاط الصورة التذكارية.
الرئيس المكلف
       وعرض الرئيس سليمان في القصر الجمهوري في بعبدا مع الرئيس المكلف تمام سلام لمسار المشاورات الجارية في شأن تأليف الحكومة الجديدة.
مدير عام الامن العام
       واطلع رئيس الجمهورية من المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم على المعطيات المتوفرة في شأن المطرانين يازجي وابراهيم والاتصالات الجارية في شأن اطلاقهما.
السفير الاميركي
       وتناول الرئيس سليمان مع سفير الولايات المتحدة الاميركية لدى لبنان ديفيد هيل العلاقات الثنائية وبرنامج المساعدات العسكرية للجيش اللبناني.أكـــد تلقيه رسالة مــــن امير قطر اكــــد فيها بـــــذل جهوده للافراج عـــن المطرانين
سليمان في مؤتمر مسيحيي المشرق: مستقبل المسيحيين يكون بتعزيز منطق الاعتدال
لا بالتقوقع والانعزال والحمايــــة العسكريّة الأجنبيّة والتماهي مــــع الأنظمة المتسلّطة
تأكيد خيـــار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبــدأ التمييز بين الشعوب
الراعي: لا هجرة ولا خوف ولا تقوقع ولا قوة بشرية تستطيع اقتلاعنا من هذا الشرق
 
(أ.ي) - اكد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان تلقيه رسالة من امير قطر الشيخ تميم اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين المخطوفين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز، معربا عن قناعته  انه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. ورأى إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز الذي قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي ورعى حماية الاقليات قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة.
وشدد على انّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، معتبرا ان هذا المستقبل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة التي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وإدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، ولا يكون بالتقوقع والانعزال وبالحماية العسكريّة الأجنبيّة او بما يسمّى «تحالف الأقليّات» والتماهي مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة.
واذ عدد الاخطار التي تهدد مسيحيي الشرق منبها الى خطر التطرّف والغلوّ على الاعتدال والديموقراطيّة وروح التسامح والإخاء، فان الرئيس سليمان اعتبر ان تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
المؤتمر الاول لمسيحيي المشرق
كلام الرئيس سليمان جاء في خلال كلمة القاها في المؤتمر العام الاول لمسيحيي المشرق الذي انعقد قبل ظهر اليوم في مركز حوار الحضارات العالمي في الربوة بحضور  الرئيس حسين الحسيني والنائب العماد ميشال عون ونائب رئيس مجلس الوزراء سمير مقبل ووزراء ونواب وبطاركة الكنائس المشرقية ووزراء ونواب ورؤساء أحزاب وفعاليات من لبنان والمشرق ودول العالم.
البطريرك الراعي
وكان الرئيس سليمان وصل قرابة العاشرة والربع الى المركز ليفتتح المؤتمر اعماله بالنشيد الوطني. ثم ألقى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ابتهالا قال فيه: "يا رب، نحن نلتقي اليوم باسمك، تحت أنوار روحك القدوس، وحماية أمنا مريم العذراء سيدة لبنان، باسم جميع مسيحيي الشرق. فبارك لقاءنا وألهمنا العمل لكي يحافظ المسيحيون على وجودهم الفاعل في بلدان الشرق الأوسط، ويواصلوا بناء الشركة فيما بينهم، وإداء شهادتهم لمحبة مسيحك في مجتمعاتهم تجاه كل إنسان وشعب على تنوع الانتماءات. وبدالة الأبناء نهتف إليك: "أبانا الذي في السماوات..." (تتلوها الجماعة). لقد رسمت لنا يا رب، بعنايتك الفائقة، خريطة الطريق في الإرشادين الرسوليين: "رجاء جديد للبنان" للطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني، و"الكنيسة في الشرق الأوسط: شركة وشهادة" الذي سلمنا إياه منذ عام قداسة البابا بندكتوس السادس عشر. واليوم تدعونا، بلسان قداسة البابا فرنسيس، لبناء السلام في القلوب أولا ثم بين المتخاصمين والمتنازعين بالتلاقي والحوار والمفاوضات على أسس من الحقيقة والعدالة، نابذين بإدانة شديدة الحرب والعنف والإرهاب. فأنت يا رب، تركت لنا الوصية الآمرة: "لا تقتل" و"أحبب قريبك مثل نفسك" (متى 22: 39)".
أضاف: "إننا ندرك مدى الصعوبات والمحن والتحديات. لكنك تجدد لنا الضمانة لمواجهتها بصبر ورجاء، وللتغلب عليها بقوة إنجيل السلام وصليب الفداء وبروح المحبة المسكوبة في قلوبنا. والضمانة هي أنت، أيها المسيح الإله، فتقولها لجميع مسيحيي الشرق: "سيكون لكم في العالم ضيق. لكن تقووا أنا غلبت العالم" (يو16: 33). في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" يدعونا روحك القدوس للانفتاح الدائم على الحوار والتعاون مع المسلمين في لبنان وسائر البلدان العربية. ذلك أن مصيرا واحدا يربط بيننا وبين المسلمين، وثقافة خاصة بنيناها معا على مدى ألف وأربعماية سنة، وهي تحمل الطابع الذي رفدته به حضاراتنا المتنوعة والمتعاقبة، على مختلف الأصعدة الدينية والأخلاقية والثقافية والفنية (الفقرة 93). إننا فخورون بتراثنا، يا رب، فساعدنا بنعمتك لنحافظ عليه، ونربي الضمائر على نبذ الحرب والعنف، واعتماد لغة الحوار والتلاقي بدلا من السلاح. وهكذا نساهم في بناء السلام الحقيقي الذي وهبته للعالم، سلام الحقيقة والعدالة، سلام المحبة والحرية، سلام حقوق الإنسان وكرامة الشخص البشري وقدسيته. إنه سلام إنجيلك الداعي إلى تحرير كل إنسان وشعب من القيود التي تفقده حرية أبناء الله، ولاسيما حرية الرأي والتعبير وحرية العبادة والمعتقد وفقا لخيارات العقل المستنير بالحقيقة المطلقة، ولخيارات الضمير المصغي للتعليم الإلهي ولشريعة الله ووصاياه".
وتابع: "في قلب النزاع السياسي - المذهبي الدائر في المنطقة، الذي أدى إلى العنف والحرب، أنت تدعونا يا رب، لنكون صانعي سلام (متى 5: 9). نحن ندرك أن السلام الدائم والكامل لا يأتي إلا منك يا الله. إنه سلام المسيح الذي أعطي لنا: "سلامي أعطيكم، سلامي استودعكم" (يو14: 27). ولكن من واجبنا ان نعمل من أجل إحلال العدالة وتحقيق التنمية وإجراء المصالحة وتعزيز الوفاق. وتعلمنا، أنت يا "أمير السلام" (أشعيا 9: 5)، أن "القيام بمبادرات سلام لكفيل بأن يجرد الخصم من سلاحه الذي يقتل ويدمر، وغالبا ما يحمل الخصم على التجاوب بإيجاب وباليد الممدودة، لأن السلام يبقى للجميع الخير الأسمى. يذكرنا تاريخنا المسيحي أن قديسين كثيرين كانوا ينبوع المصالحة بمواقفهم المسالمة، المرتكزة على الصلاة وعلى الاقتداء بسلامك أيها المسيح (الفقرة 98)".
وقال: "إننا، بروح السلام والتضامن الاجتماعي والنشاط الإنمائي، وتربية الضمائر، وبتعزيز مؤسساتنا التربوية والاستشفائية والإنسانية، نعمل بالاتكال على قدرة عنايتك يا رب، من أجل أن نحافظ على وجودنا المسيحي في بلدان الشرق الأوسط، منذ ألفي سنة، متصدين لنزيف الهجرة، بهدف أن نكون فيها مساهمين في قيام مؤسسات أوطاننا وطبعها بالقيم الإنجيلية، ولاعبين دورنا في الحياة العامة بروح التجرد من المصالح الخاصة والفئوية، والالتزام بتوفير الخير العام الذي منه خير الجميع وخير كل إنسان. وإننا بذلك نواصل عمل الآباء والأجداد كرواد للنهضة العلمية والاجتماعية والثقافية، ولنهضة الإنماء الاقتصادي وترقي شعوبنا ومجتمعاتنا".
أضاف: "لقد اخترت يا رب، بسر تدبيرك، أرض الشرق الأوسط لكي تتجسد عليها وتحقق فيها سر الخلاص، وترفع صليب الفداء. وهكذا اتحدت نوعا ما مع كل إنسان. نحن نؤمن أن هذا الشرق الأوسط هو مكان "تجسدنا"، لقد أردته لنا لكي نساهم في تحقيق مشروعك الخلاصي، أيها الإله. إننا نتمسك بوجودنا في بلداننا المشرقية، لأنها مكان التعبير عن محبتك لجميع الناس والشعوب، ولأننا سفراؤك لرسالة نبيلة، هي منك، لا من صدفة أو قدر محتوم. لقد جمعتنا، أيها المسيح، بالروح القدس، لنكون جسدا واحدا فيك وبك ومعك. وصليت إلى الآب لكي نكون ثابتين في الوحدة، على صورة اتحادك بالآب (راجع يو 17: 11). وبذلك نشهد لعالمنا، في هذه البقعة من الأرض، انك أنت مبدأ وحدتنا وصانعها، وأن شريعة المحبة توحدنا، وهبة الحقيقة تحررنا (راجع يو15: 9-10 ؛ يو8: 32). نكون واحدا فيك أيها المسيح، لكي يصبح المسيحيون في أوطانهم رسل المحبة والحقيقة والحرية. وعلى هذا الأساس، وجودهم في المؤسسات الوطنية والدولية ضروري ونافع ومفيد مثل الخميرة في العجين، والملح في الطعام، والنور في الظلمة (راجع متى 5: 13-14؛ متى 13: 33-35). ويدعونا روحك القدوس، في الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط" لتعزيز وحدة المسيحيين في إطار احترام غنى كل جماعة، بحيث تأتي وحدتنا غنية بتقاليد الجماعات الكنسية، الليتورجية والروحية والتاريخية واللاهوتية. ويذكرنا الروح في هذا الإرشاد بأن الوحدة هبة من الله، وتنبع من المواظبة على الصلاة ومن التوبة التي تجعل كل شخص يعيش وفقا للحقيقة وفي المحبة. هذه المسكونية الروحية هي روح الحركة المسكونية الحقيقية (الفقرة 12)، وهي الدافع إلى عيش مسكونية الخدمة في المجالات الاجتماعية والتربوية والاستشفائية والإنمائية".
وتابع: "إنك تدعونا، يا رب، لنكون واحدا على تنوع كنائسنا، من أجل الشهادة والخدمة والرسالة. فلا هجرة ولا خوف، وبخاصة لا تقوقع ولا ذوبان. فالتقوقع يلغي رسالتنا، والذوبان يقضي على هويتنا. من أجل هذه الرسالة والشهادة، زرعت كنيستك، أيها المسيح، في أرض هذا الشرق. وما من قوة بشرية تستطيع اقتلاعها منه. وهي تدرك أن نهجها يبقى نهج "حبة الحنطة" (يو12: 24)، أي الموت والقيامة. وفيما يواجه أبناؤها وبناتها الألم والاضطهاد والموت، ساعدهم ليهتفوا معك: "أيها الآب مجد اسمك" (يو17: 1)، وليضموا آلامهم إلى آلامك، فتصبح "آلام مخاض" (رؤيا 12: 1-18) يولد منها إنسان جديد وعالم جديد".
وقال: "لقد أفضت علينا، أيها الرب يسوع روحك القدوس، روح العنصرة الذي جعلنا مسيحيين في كياننا الداخلي، وأردتنا لك شهودا في هذا المشرق وإلى أقاصي الأرض (راجع أعمال 1: 8): شهودا لمحبتك لكل إنسان، دونما تمييز في العرق واللون والانتماء؛ شهودا لشركة الاتحاد بالله، الواحد والثالوث، ولشركة الوحدة بين جميع الناس؛ شهودا للأخوة الشاملة على تنوع العائلات والأديان والثقافات".
 
وختم: "أعطنا أيها الرب يسوع أن نقدم دائما هذه الشهادة بشجاعة وصبر وثبات. وأنت يا مريم، أمنا وأم المسيحيين والكنيسة، ويا سيدة لبنان وسلطانة السلام، ساعدينا، بتشفعك لدى الإبن الإله، لكي نصنع دائما ما يقوله لنا في جميع مراحل حياتنا ورسالتنا (راجع يو2: 5). فيرتفع دائما وإلى الأبد من قلوب مسيحيي المشرق، في جميع بلدانه، نشيد المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".
المطران مظلوم
ثم القى امين عام اللقاء المطران سمير مظلوم كلمة رحب فيها بالرئيس سليمان لافتا الى تشجيعه المؤتمر. واذ شدد على ان المسيحيين هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما أن المسلمين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين، فانه تساءلأين أصبحنا من العيش المشترك والتعاون الأخوي؟ وهل ما جرى ويجري في العراق، وفي مصر، وفي سوريا، وفي فلسطين، وفي لبنان... يطمئن المؤمنين المسيحيين أمام تفلّت الغرائز، والتعصب الأعمى، والتطرف الرافض للآخر والذي يدفع المسيحيون جزأ من ثمنه؟ وتابع متسائلا: أين صوت إخواننا المسلمين المعتدلين الذين يشكّلون الأكثرية الساحقة، وهم مهدّدون بالتطرف والتكفير مثل الآخرين؟.
ورأى إن الوعي التاريخي والتجربة التاريخية يحمّلان المسيحيين اليوم مسؤولية تاريخية تمنعهم من الاستسلام لمنطق العدد، وللقدر التاريخي، أو الاقتناع بوجود قدر تاريخي، وتحثهم على تجديد الثقة بأنفسهم  لافتا الى ان حضورهم ومستقبل دورهم في هذه المنطقة، يتجاوزان، في نظر الإرشاد الرسولي "الكنيسة في الشرق الأوسط"، حدود الواقع إلى مستوى الالتزام، وتبنّي الواقع لا الهروب منه، لأن لهم دور وساطة يجب أن  يقوموا به في هذه المنطقة، وهو دور مصالحة.  اضاف: لا يخفى أن الإرشاد ينتظر من المسيحيين دورا رياديا على صعيد الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط، الا وهو الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو يدعوهم الى لعب دور الوساطة لمصالحة تاريخية بين فريقي هذا الصراع.  هذا يعني أن حضور المسيحيين ومستقبلهم مرهونان برؤية مقرونة برجاءٍ كبير يكونون حاملي مشعله.
سليمان
وبعدما القى المطران الياس كفوري ممثل البطريرك يوحنا العاشر دعاء من اجل المطرانين المخطوفين يازجي وابراهيم، القى الرئيس سليمان الكلمة الاتية:
ليس المنفى أو الهجرة دائماً طريقاً أو سفراً. فللمنفى وجهان: داخلي وخارجي، والمسافة بينهما ليست مرئيّة تماما.
غياب الحريّة منفى،
والغربة عن المجتمع وثقافته منفى،
إكراه السلطة الجائرة وعبء بعض التقاليد منفى،
الحاجة والعوز والفقر منفى،
استدامة حالات الحروب الأهليّة والخارجيّة منفى
تكاد هذه الصورة الرمزيّة ان تنطبق على أحوال السواد الأعظم من مسيحيي المشرق وبلاد النيل، الذين شكّلوا ما يقارب الخمسة والعشرين في المئة من مجمل السكّان في أوائل القرن العشرين، ليتضاءل عددهم إلى نسبة ستة في المئة تقريباً في السنوات الأخيرة نتيجة عوامل عنفيّة عديدة، قبيل وبعد انهيار الامبراطوريّة العثمانيّة، ثّم اندلاع الصراع العربي – الاسرائيلي وسلطان الاستبداد والديكتاتوريّة، وتوالي الانتكاسات على أكثر من صعيد، بالرغم مما حملته النهضة وأدبيّات الفكر القومي الجامع من أمل بانتظام العلاقات بين مختلف مكوّنات المشرق العربي تحت راية العروبة الموحّدة والضامنة.
أما اليوم، مع اهتزاز الفكرة القوميّة، وتنامي الحركات الأصوليّة الرافضة للآخر المختلف، على محدوديّتها، عادت مشكلة الأقليّات، كما يعرّف عنها البعض، إلى دائرة التفاعل والاهتمام في ضوء سلسلة طويلة ولكن معزولة حتى الآن، من حوادث العنف والاعتداء.
إنّ الأخطار التي تهدّد مسيحيي الشرق مدار بحثكم اليوم، أصبحت معروفة، وأهمّها تقلّص في الوجود الديموغرافي والجغرافي ونزيف الهجرة وتراجع الدور في القرار السياسي والاقتصادي باستثناء لبنان، وارتفاع صوت العصبيّة الطائفيّة والمذهبيّة، واندلاع المسألة الدستوريّة بشأن مدى الفصل بين سلطة الدولة ومؤسساتها وأحكام الشريعة ومفاهيمها السياسيّة، بالتزامن مع الحراك الشعبي القائم، على ما يحمله من آمال ويشوبه من تطرّف وعنف. كما أنّ إصرار المسؤولين الإسرائيليين على تأكيد خيار يهوديّة الدولة يزعزع مبادئ التعدديّة ويكرّس مبدأ التمييز بين الشعوب مهدّداً كلّ مبادئ السلام القائم على العدل والمساواة ومنذراً بردّات فعل عشوائيّة قد تطاول أخطارُها المسيحيين.
إلا أنّ ما يدعو إلى تبديد القلق أنّ التحوّلات العاصفة لم تكرّس في أيّ بلد الفكر الأحادي المطلق، حيث تبرز محاولات للتوفيق والمواءمة بين المفاهيم والنظم، كمثل ما ذهبت إليه وثيقة الأزهر مثلاً في الحديث عن الدولة الوطنيّة من دون تحديد صفات أخرى للدولة. وقال بعض الفقهاء والمفكّرين بالدولة المدنيّة أيّ الدولة غير التيوقراطيّة من دون أن تكون دولة محايدة بين الأديان. ومن الأمور المشجّعة على التفاؤل أيضاً أنّ لبّ المشكلة لا يكمن في المعتقد الديني بل في العصبيّة. فالخطر الأكبر للتطرّف والغلوّ إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى هو على الاعتدال وعلى الديمقراطيّة الحقّة وروح التسامح والإخاء التي طالما سادت على مساحة العالم العربي ووحّدت الشعوب والقلوب على قاعدة الانتماء القومي والقيم الروحيّة والإنسانيّة السامية.
وفي مطلق الأحوال فإنّ معركة الدساتير الجديدة يجب أن تركّز برأينا على ما يخدم وحدة المجتمعات وعزّتها والكرامة الإنسانيّة لكلّ فرد من أفرادها على قاعدة ما توصّلت إليه البشريّة من مكتسبات على صعيدي الحريّة وحقوق الإنسان بقطع النظر عن دينه أو لونه أو عرقه، على ما نصّ عليه الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والإعلان الخاص بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليّات قوميّة أو إتنيّة أو دينيّة أو لغويّة الذي أقرّته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بتاريخ 18 كانون الأوّل 1992.
إنّ نموذج الاستثناء اللبناني المميّز قد يشكّل منطلقاً لنظام اجتماعي وسياسي مشرقيّ جديد يؤدّي بتنوّعه وحريّاته الفرديّة والعامة إلى مطاف ينتهي بدولة المواطنة الحقيقيّة فلبنان تأسّس ككيان حريّة، وأنبت في العصر الحديث حريّات عدّة تأصّلت فيه، من حريّة المعتقد إلى حريّة الرأي والتعبير وصولاً إلى حريّة الاجتماع وسائر الحريّات العامة المتعارف عليها في الأنظمة الديموقراطيّة الحديثة.
وإلى الحريّة، رعى الكيان اللبناني حماية الأقليّات، أقليّات الدين والرأي والموقف والسياسة، وجميع الأقليّات التي تباينت بالرأي والمعتقد مع الأكثريّة فاجتمعت فيه لصون معتقداتها ومواقفها. وشكّلت مكوّنات ثقافيّة وحضاريّة متنوّعة في إطار من الوحدة والإغناء المتبادل. وتم التعبير عن ذلك في النظام من خلال خصوصيّة التوازن والمشاركة في السلطة لجميع الطوائف.
إنّ الآباء المؤسّسين للنظام اللبناني أدخلوا في تجربتهم وعبر الميثاق الوطني بعداً جديداً على الديموقراطيّة هي ديموقراطيّة الجماعات وهي التي تترك الحيّز المعهود للأفراد بحقوقهم وواجباتهم وتتعاطى في الوقت نفسه مع الجماعات، محاولة أن تقيم بينها لعبة سياسيّة قائمة على القبول المتبادل. كذلك فإنّ لبنان وخصوصيّة المسيحيين فيه كانا دائماً واقعاً حاضراً في حياة مسيحيي الشرق وفي نظرتهم إلى واقعهم ومستقبلهم.
لبنان الكيان والنظام والنموذج لعيش الأديان والجماعات المختلفة، قام على العيش المشترك الاجتماعي والسياسي، أيّ العيش بين المسيحيين والمسلمين بالمساواة المطلقة كينونة وشرعاً.
العيش المشترك لا يعني تجاور المسلمين والمسيحيين في مكان واحد أو أرض واحدة أو دولة واحدة. فهذا التجاور الاجتماعي والمعيشي عمره في الشرق أكثر من ألف وأربعمئة سنة، إلاّ أنّه أعطي في لبنان بالذات صورته الفضلى، وقد غدا للشرق والغرب رسالة حريّة وعيش مشترك وتكامل مبدع. فالعيش المشترك ليس التعايش الاجتماعي في علاقاته الأفقيّة من تجارة وتجاور وتعامل. إنّ العيش المشترك هو العيش المشترك السياسي بعلاقاته العاموديّة، أيّ علاقات الحاكم والمحكوم على قياس واحد من المساواة والمشاركة. إنّه مشاركة في الحكم والسلطة داخل إطار القبول والرضى المتبادل. فلا لتحكّم الأكثريّة الساحقة التي تؤدّي إلى هيمنة العدد، ولا للأقليّة المهيمنة التي ينتهي حكمها إلى الديكتاتوريّة.
إنّ العيش المشترك يعني عدم التقوقع على الذات أو الاستعلاء على الآخرين. إنّه يعني الدخول مع الآخرين في حوار دائم والتفاهم والتعامل معهم على قدم المساواة. إنّه يعني أيضاً تحقيق الذات مع الآخر وليس ضدّه أو على حسابه أو ضدّ الذات أو على حسابها. في المقابل فإنّ المطلوب من الآخر المختلف تقديم الهويّة الوطنيّة على الهويّة الدينيّة واحترام الخصوصيّات وتعميم ثقافة التسامح والمحافظة على الأصل التاريخي لهويّة البلد المتعدّد ونواته الحضاريّة الأقدم بعيداً عن ثقافة أحقيّة الغالبيّة وغلبتها. إنّ هذا النموذج يحتاج دوماً إلى دولة قويّة بمؤسسات منبثقة من عمليّة ديموقراطيّة سليمة.
إنّنا نعتقد مع شارل مالك بأنّه إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا. وإذا تفشّت لدى المسيحيين عقدة الشعور الأقلويّ ورضخوا له، حكموا على أنفسهم بالذوبان وفقدان الذات،وحكم على تاريخهم بالانفتاح والإقدام والعيش الحرّ الذي بنوه مع إخوانهم في المجتمعات الشرقيّة على مدى قرون. ورغم الاعتداءات المتكرّرة في فترات معيّنة على غرار الخطف والاحتجاز المشينين للمطرانين بولس يازجي ويوحنا ابراهيم، والتي ننظر إلى مساع حثيثة ونشطة لتحريرهما سالمين مكرّمين، وخاصة اني تلقيت رسالة من امير قطر الشيخ تميم اكد فيها بذل جهوده القصوى للافراج عن المطرانين في اقرب الاجال تماما كما حصل مع اللبنانيين المفرج عنهم من اعزاز،فإنّنا على ثقة بأنّ مستقبل المسيحيين في الشرق هو استمرار لماضيهم في المنطقة، أيّ أنّه مزيج من المصاعب والإمكانات، الإخفاقات والنجاحات، ومحكوم دائماً بالتحدّي والاستجابة له. وهذا ما ينطبق على نظرة ارنولد توينبي إلى مجرى التاريخ البشري. بمعنى أنّ مستقبل الجماعات محكوم بقدرتها دائماً على الاستجابة للتحديات التي يفرضها عليها واقعها ومحيطها. وفي ظنّي أنّ التحدّي المطروح على المسيحيين في لبنان والشرق هو الحؤول دون أن يصبح الشرق منطقة رتيبة معقّمة حيث لا وجود لتنوّع الأديان وامتزاج الحضارات المثمر.
لقد أظهرت زيارة قداسة البابا السابق بيينديكتوس السادس عشر للبنان في العام 2012، وقبلها زيارة قداسة البابا الراحل الطوباوي يوحنا بولس الثاني في العام 1997، مدى حيويّة الوجود المسيحي في لبنان ونوعيّة الشراكة البنّاءة القائمة بين المسيحيين والمسلمين، بإرادة حرّة وواعية والتي يقع علينا واجب تعميقها وتثميرها. كذلك شكّل الإرشادان الرسوليان الموجّهان إلى مسيحيي لبنان ومسيحيي الكنائس الشرقيّة خريطة طريق فعليّة لطبيعة علاقتهم بين بعضهم البعض، ومع إخوتهم المسلمين، وفي محيطهم العربي. ومن المفترض بهذه الإحاطات المرشدة والمضيئة أن تشكّل عناصر فرح وأمل ورجاء ومنطلقات لعزم جديد، لن تقوى عليه الشدائد، بالرغم من أجواء القلق الظرفيّ السائدة.
وإذا ما اعتبرنا الهجرة غربة للفرد وخطراً وجودياً للجماعة، وتفريطاً بما إئتمنّا عليه من أرض وإرث وقيم، فإنّ مستقبل المسيحيين المشرقيين لا يكون بالتقوقع والانعزال، لأنّ ذلك مخالف لطبيعة رسالتهم ولتاريخ تجذّرهم في الشرق ومساهمتهم في نهضته وعزّته ونضالاته؛
ولا يكون بالحماية العسكريّة الأجنبيّة، لأنّها مشروع بائد ومستفزّ ويتنافى مع عمق انتمائهم القومي؛
ولا يكون بما يسمّى «تحالف الأقليّات»، لأنهّ منطق مواجهة مرفوضة ومشروع حرب دائمة ومدمّرة؛
ولا يكون بالتماهي بشكل عام مع الأنظمة غير العادلة والمتسلّطة، لأنّ فيه مشروع عداوة مع الشعوب ويتناقض مع روح الدين المسيحي الرافض لأيّ قهر أو ظلاميّة أو ظلم؛
بل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم، وكلّ جهد يهدف الى بناء الدولة العادلة والحاضنة، التي تحترم حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة، بما في ذلك حريّة العبادة وممارسة الشعائر الدينيّة، والتي تسمح بمشاركة جميع مكوّنات المجتمع الحضاريّة في الحياة السياسيّة وفي إدارة الشأن العام، بقطع النظر عن أحجامها العدديّة، بل استناداً الى ما تمثّله وترمز إليه من تنوّع مثري للذات العربيّة في أبعادها الفكريّة والثقافيّة والعلميّة.
مشروع المسيحيين في الشرق هو مشروع كلّ مواطن، إلى أيّ طائفة أو مذهب انتمى، يتوق إلى الحريّة والعدالة والسلام والتنمية. على هذا أعاهدكم في يوم انطلاقتكم، وأتمنى النجاح لأعمالكم، تقدمون عليها بفكر مستنير محبّ، وعقل راجح وجامع، معزّزين بذلك فكرة الحوار بين الحضارات والثقافات والديانات الذي أقمتم له مركزاً مرموقاً في هذا الصرح بالذات وقد افتتحناه في   10 ايار 2011.
إنّكم أصحاب حقّ ورسالة وصاحب الحقّ لا يموت وناشر الرسالة لا يستسلم.                                     
درع
وفي ختام الافتتاح، قدم اعضاء الهيئة الادارية  الى رئيس الجمهورية درعا تذكاريا قبل التقاط الصورة التذكارية.
الرئيس المكلف
       وعرض الرئيس سليمان في القصر الجمهوري في بعبدا مع الرئيس المكلف تمام سلام لمسار المشاورات الجارية في شأن تأليف الحكومة الجديدة.
مدير عام الامن العام
       واطلع رئيس الجمهورية من المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم على المعطيات المتوفرة في شأن المطرانين يازجي وابراهيم والاتصالات الجارية في شأن اطلاقهما.
السفير الاميركي
       وتناول الرئيس سليمان مع سفير الولايات المتحدة الاميركية لدى لبنان ديفيد هيل العلاقات الثنائية وبرنامج المساعدات العسكرية للجيش اللبناني.

شارك هذا المقال مع اصدقاء ...

omt

علق على هذا المقال

وكالة "اخبار اليوم" ترحب بأراء القراء وتعليقاتهم، وتتمنى عليهم الا تتضمن مسا بالكرامات او إهانات او قدحا وذما او خروجا عن اللياقات الادبية. التعليقات المنشورة على هذا الموقع تعبر عن رأي كاتبها وليس عن رأي وكالة "اخبار اليوم" التي لا تتحمل اي اعباء مادية او معنوية من جرائها