التقنين يطول وجبات اللبنانيين.. العائلات تقتصد | أخبار اليوم

التقنين يطول وجبات اللبنانيين.. العائلات تقتصد

| الجمعة 26 نوفمبر 2021

كتبت "انديرا مطر" في "القبس" الكويتية:

مع كل اشراقة شمس تبدأ كاتيا (40 عاما)، وهي ربة منزل لبنانية، عملية حسابية لتدبير الطعام اليومي لأسرتها المكونة من خمسة أفراد.

وجبة الفطور هي ما يشغل تفكيرها، أما الغداء فيعتمد على ما يحصله زوجها من عمله كسائق سيارة أجرة، ويبدأ الهم بالتراجع مع ساعات المساء «لأن العشاء نتدبره بالموجود».

وجبة الفطور التي كانت قبل سنتين، وقبل دخول لبنان في أزمة مالية مستفحلة، تتضمن أصنافا متعددة من اللبنة والجبنة والزعتر والبيض وبعض أصناف المرتديلا، تقلصت الى الحد الادنى.
«اعتمد على صنف واحد لأبقي شيئاً لفطور اليوم التالي. وغالبا ما أوصي على الأجبان والألبان التي يصنعها القرويون في بلدتي، لأنها أقل كلفة من تلك التي نشتريها من السوبرماركات في بيروت»، تقول كاتيا.

وتضيف: «أما البيض وبعد أن أصبحت الكرتونة بـ 100 ألف ليرة بتنا نكتفي بنصف كرتونة بالشهر، وعوض استخدام ثماني بيضات للوجبة الواحدة اختصرناها الى ثلاث مع إضافة مواد أخرى اليها كالبطاطا المهروسة لكي تكفي أفراد أسرتي».

وجبة الفقراء

تحضير ساندويشات المدرسة لبناتها الثلاث ليس بالمهمة السهلة. «الزعتر أساسي.. يقال إنه وجبة الفقراء ومع ذلك لم يعد بمقدورنا شراؤه بعدما تخطى سعر الكيلو المئة ألف ليرة»

تحاول السيدة إرضاء بناتها الصغيرات حين يعترضن على «الصنف الواحد الذي جفّف حلقهن» فتصنع لهن فطائر محشوة بالكشك والخضار على شكل البيتزا للتمويه «على الغاز وليس بالفرن».

تقيم كاتيا في محلة النبعة أحد أحزمة البؤس المتمددة بعد الأزمة على امتداد الخريطة اللبنانية.

يتقاضى زوجها معاشاً تقاعدياً من المؤسسة العسكرية بقيمة مليون و400 ألف ليرة، تقسمه على الشكل التالي: مليون فاتورة مولد الكهرباء، والمبلغ المتبقي يدفع تأمين للسيارة، كهرباء الدولة، فاتورة الهاتف.

لتأمين نفقات الطعام اليومي فيعتمد على عمله كسائق لسيارة أجرة.

«نعيش كل يوم بيومه ومن دون تخطيط لليوم التالي»، تقول كاتيا. مضيفةً: «ومن هذا الراتب نقتطع أجرة نمرة السيارة و800 ألف بدل باص المدرسة الشهري للفتيات، ويتبقى لنا ما بين 50 و60 ألفاً لتوفير قوتنا اليومي..

وهل يكفي هذا المبلغ لتأمين وجبات النهار الثلاث؟ بالكاد يكفي لوجبة الفطور. أبخس علبة جبنة في السوق بـ 15 الف ليرة، لا تكفي لخمسة اشخاص، اذا اضفنا اليها بعض الخضار نكون تخطينا الـ 40 الفاً».

«المعلبات والخضار»

«آخر قرار توصلت اليه مع زوجي قبل يومين وبعد طول تفكير هو التخفيف قدر الإمكان من استخدام الغاز بسبب كلفته (قارورة الغاز بـ300 ألف ليرة)، واعتماد الوجبات الباردة المكونة من الخضار او المعكرونة التي لا تستغرق وقتا على النار لتنضج، أما الاطباق التي تستلزم طهوا بالفرن فألغيناها من حساباتنا، مقضيينها معكرونة... أفكر أيضا بقطع الكهرباء عن الثلاجة في فصل الشتاء لتخفيف مصروف الكهرباء». تقول كاتيا، فيما هي ساهمةٌ في عالم آخر.


شراء اللحم خلال التوفير

تقول كاتيا بغصة: «قليلة ومحدودة هي السلع الغذائية التي تدخل بيتنا منذ أشهر... وجبات كثيرة بتنا نشتاق لرائحتها ولرؤيتها على مائدتنا... حين أتصفح وسائل التواصل لأستنجد بأفكار من صفحات الطبخ عن كيفية اعداد طعام غير مكلف أخشى أن تظهر صور وجبات حُرمت منها عائلتي بسبب عدم قدرتي على شرائها». تذكر كاتيا هنا البيتزا واللازانيا والشاورما وغيرها من الوجبات التي تحتاج خمسة أيام عمل من زوجها لتأمين مكوناتها.

«نشتري اللحم في العروض فقط، والكيلو الذي كنت أستخدمه لطبختين بت أقسمه على 8 طبخات... أما الدجاج فلتدليل أنفسنا». تقول كاتيا، مردفة: «اذا اردنا إسعاد الأولاد نشتري كيلو دجاج ليس للشي أو التحمير، بل للطهي مع مكونات أخرى كالارز والبطاطا».

وبعد كل هذا التفكير تتناول السيدة اللبنانية حبة واحدة من مسكن للألم لتهدئة صداع رأسها بعد أن ارتفع سعر دواء الباراسيتامول العادي إلى نحو 100 ألف ليرة للعلبة.

إلغاء الأساسيات من «المنيو»

خارج بيروت وفي قلب مدينة جونيه، لا تختلف رواية كاتيا عن رواية منى وهيبي التي ألغت الكثير من الأساسيات من قائمة الطعام اليومي.

منى أرملة لديها ابن وابنة يعملان ويتقاضيان معا 4 ملايين ليرة شهريا، وتقول إنها بحاجة الى مليون ليرة أسبوعيا فقط للسلع الأساسية، ويبقى هم الفواتير الشهرية التي «أتمنى احيانا الا يطلع الضوء عليي (الموت) لأجد الجابي يطالبني بمبلغ لا استطيع توفيره».

أكثر ما اقتصدت به منى هو وجبات العشاء، تقول إنها اعتادت في زمن ما قبل الأزمة أن تحضّر لابنها الشاب طعاماً سريعاً يعتمد على اللحوم المشوية أو شطائر البيتزا، وها هي اليوم تستبدل بها خضار مشوية أو عجة بيض وكوسا أو بطاطا مقلية أو مسلوقة بطحينة.

أما الغداء الذي تركّز عليه منى فيقتصر على الحبوب والنشويات والخضار، فيما اللحوم مكرسة ليوم العطلة وبالتقنين. «أحمد الله أني أتلقى كرتونة شهرية من البلدية تتضمن فاصوليا وأرز ومعكرونة».

أرقام تظهر انعدام الأمن الغذائي

بحسب تقارير تصدرها منظمات دولية، وبحسب مشاهدات وروايات لبنانيين عن معاناتهم اليومية، يسير لبنان بخطى حثيثة نحو مزيد من الفقر والجوع، وقد بات أكثر من نصف اللبنانيين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل انهيار اقتصادي متواصل ومع غياب سياسات إنقاذية توقف هذا الانهيار وتحمي اللبنانيين من مواجهة شبح الجوع على الأقلّ.

 
- 78% من سكان لبنان (3 ملايين شخص) يعانون من الفقر في 2021، وهو ما يمثل زيادة دراماتيكية عن نسبة %55 من السكان في العام السابق. (الأمم المتحدة)

-53% من الأسر لديها طفل واحد على الأقل فوّت وجبة طعام اكتوبر مقارنة بنسبة %37 في أبريل (منظمة اليونيسف).

- 9 من 16 أسرة تأكل أقل من وجبتين في اليوم و%70 من هذه الأسر التسع تتخلّى عن وجبة أساسية بهدف الاحتفاظ بالطعام لأطول مدة ممكنة (دراسة لكلية الصحة في الجامعة اللبنانية).

- 675 ألف ليرة لبنانية هي الحد الأدنى للأجور وباتت تساوي أقل من 29 دولارًا بسعر الصرف الحالي في السوق الموازية مقابل 450 دولارًا قبل الانهيار.

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا


المزيد من الأخبار