إيران ليست قادرة وحدها على ورقة لبنان | أخبار اليوم

إيران ليست قادرة وحدها على ورقة لبنان

| الجمعة 26 نوفمبر 2021

ما يحصل من مناورات خلافية معيب ومؤذٍ وتزداد كلفته يوماً بعد يوم

"النهار"- روزانا بومنصف

على افتراض أن الستاتيكو السياسي الحالي مستمر حتى موعد الانتخابات النيابية في آذار أو في أيار، إن لم تكن التطورات التي تحصل تهدف إلى تطويرها، فإن السيناريو المحتمل هو التالي: تبقى الحكومة معطَّلة وتصرف الأعمال فيبقى الثنائي الشيعي يتحمّل مسؤولية المزيد من الانهيار الذي يلحق بكل مفاصل حياة اللبنانيين على نحو يثير التساؤلات حيال خوض انتخابات بشعارات هالكة تحت أقدامهما، فيما يبقى المحقق العدلي طارق البيطار في موقعه ولكن من دون قدرة على البتّ فعلاً في ملفّ انفجار المرفأ، لأنه سيؤدّي بالبلد إلى الأسوأ، وهو بات مقيَّداً عملانياً حتى إن بقي ملف الانفجار في يده.


الحروب قائمة من ضمن قوى ٨ آذار نفسها، وكل الأهداف مختلفة من دون قدرة على انفصال بعضها عن بعض لاعتبارات مختلفة. يرفع الرئيس ميشال عون شعار "الاغتيال السياسي" استدراراً للتعاطف من ضمن منطق المؤامرة الكونية التي يصوّر دوماً أنها ضدّه وضدّ فريقه، فيما لا يلتفت إلى اغتيال لبنان والاغتيال الذي يتعرّض له كل لبناني يومياً، فيما يرفع حليفه الشيعي مظلومية من نوع آخر إزاء استهدافه ولا سيّما مع توسّع تصنيفه إرهابياً من عدد أكبر من الدول الكبيرة، بحيث يتعرّض مناصروه للضغط فيما الموضوع ليس طائفياً بمقدار ما يتصل بطرف راديكالي بات يهدّد الاستقرار في المنطقة لا في لبنان فحسب. لن يستطيع الحزب أن يعطي عون ما يريده وفق ما يتفق على ذلك أكثر من مصدر سياسي، لأن أجندة الحزب إقليمية وليست محلية. ويعتقد هؤلاء أن ظروف 2016 صعبة إن لم تكن مستحيلة التكرار في ظل أوهام أن هناك انتصارات لإيران في المنطقة وتالياً في سوريا ستُترجم في لبنان أيضاً.


ليس باستطاعة إيران أن تتحمّل انهيار لبنان وقيادته في ظلّ هذه الظروف، سواء لعدم امتلاك جماعتها القدرة أو الأهلية لذلك أو لعدم توافر الواجهات الطائفية الأخرى التي يمكنها التلطي وراءها كما حصل في السابق. فحتى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يواجه صعوبات جمّة راهناً نتيجة رئاسته حكومة يسيطر عليها الحزب أيّاً تكن الأبواب التي تفتح له في الخارج من ضمن محاولات دعم لبنان. ولن يكون أيّ رئيس حكومة قادراً على تسلّم رئاسة الحكومة مجدّداً في ظلّ الخلل المتعاظم في التوازن وإقفال المملكة السعودية أبوابها، ما يحتمل أن يترك البلد يتحلل في يد الحزب تحديداً.


ولعلّ إيران ترى إنقاذاً من خلال منع الولايات المتحدة والدول الغربية انهيار لبنان لكي لا يُلقى الأمر على عاتقها كليّاً ولو أن جماعتها يعتمدون خطاباً مختلفاً عدائياً للولايات المتحدة، تماماً على غرار ما حصل في العراق وحتى في سوريا. ففي الأخيرة، استعانت إيران بروسيا من أجل إنقاذها مع النظام السوري من السقوط، والارتياح أخيراً للانفتاح العربي المحتمل على بشار الأسد الذي كان يستقبل وزير الخارجية دولة الإمارات مهلِّلاً لضوء خليجي في نفق علاقاته مع الدول الخليجية من دون كلمة عن التطبيع مع إسرائيل، ولا تلبث إيران أن تتّصل بالمسؤولين الإماراتيين لزيارة طهران، فيما لا كلمة إزاء التطبيع كذلك.


وقد لفتت أخيراً الأنباء التي تحدّثت عن تجاوب إيران مع المساعي الروسية لسحب قوّاتها من مطار التيفوس السوري إلى مطار الشعيرات والتزام ما قالته روسيا عن ضرورة الرد على الغارات الإسرائيلية تفادياً لحرب أكبر في سوريا أو عليها، وهو الأمر الذي ينسحب على مونة روسيا على استخدام إسرائيل صواريخ أرض جوّ في ضرباتها على مواقع إيرانية في سوريا لا عبر الجوّ. وتعرف إيران جيداً أن لا سلام في سوريا أو انتقال من الحرب إلا عبر اتفاق طائف سوري تشارك هي فيه، كما شاركت سوريا في مؤتمر الطائف اللبناني وكانت وصيّةً وحدها على لبنان، غيرها هي في سوريا. وفي العراق شاركت إيران في مؤتمر بين دول عربية وفرنسا أيضاً ورضيت بالشراكة في رئاسة مجلس الوزراء العراقي قبل أن تتلقى نكسة في الانتخابات التشريعية العراقية. وصحيح أن لبنان بلد صغير وأثقاله ليست كما سوريا أو العراق، ولكن لا إيران أو حزبها في لبنان يستطيعان أن يحملا وحدهما ورقة لبنان بالإضافة إلى أنه لن يتاح لهما ذلك. ولكن هذه النقطة الأخيرة موضوع آخر. إيران تعتمد على علاقات القوى الداخلية ولا تستطيع السيطرة على لبنان أو إدارته. فمنطق أخذه إلى الصين مثلاً بدلاً من الدول العربية أو الغربية ليس إلا لأن إيران عقدت اتفاقاً طويل الأمد مع الصين، لا يلغي واقع أن الصين لم تعد الصين الشعبية في الستينيات بل تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل ومتينة مع المملكة السعودية ولها علاقاتها وتوازناتها أيضاً.

لم يتصوّر أحد يوماً أن لبنان يمكن أن يصل إلى هذا الدرك باعتبار أن ما يحصل من مناورات خلافية معيب ومؤذٍ وتزداد كلفته يوماً بعد يوم، ولكن ليس لدى أيّ من الدول المؤثرة استعداد لمساعدة لبنان في ظلّ التوازنات المختلة راهناً. ويجب أن لا تكون هناك أوهام حيال ذلك لأن الغربيين اكتفوا فعلاً من لبنان كما لم يعلن ذلك الخليجيون، ولكن هذا ما سمعه الرئيس إيمانويل ماكرون في آخر مؤتمر عقده من أجل لبنان.
هناك خشية كبيرة من أن يتحوّل لبنان إلى صومال آخر أو أن يحصل توافق عربي إيراني سبق أن حصل مرّات في السابق، ويمكن أن يحصل في أي وقت. ويقول السياسيون المعنيون إن الحزب لا يمكنه أن يعطي عون ما أعطاه في 2016 لأنه لن يستطيع إقناع الداخل بذلك، من الرئيس نبيه برّي إلى الرئيس سعد الحريري أو رئيس تيّار المردة سليمان فرنجية وسواهم، وليس فقط الخارج، ولأنه لا يستطيع المضيّ في حرب شيعية سنّية من أجل حليفه المسيحي فيما يسعى إلى اتفاق يرجّح أن يكون على اتفاق مماثل لاتفاق الدوحة إزاء رئاسة الجمهورية المقبلة. فالرؤية تتوضح أكثر فاكثر لدى جهات كثيرة في هذا الاتجاه فيما رهانات خاطئة كثيرة لا تزال قائمة رفضاً للخسارة لا سيّما لدى العهد، وقد فاته أن حلف الأقلّيات قاد عهد إميل لحّود إلى ما قاده إليه من مصائب وكذلك العهد الحالي.

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا


المزيد من الأخبار