ميراي والدة الياس خوري تحوّل الألم بصيص نور... مشروع بناء لتخليد أحلام ابنها | أخبار اليوم

ميراي والدة الياس خوري تحوّل الألم بصيص نور... مشروع بناء لتخليد أحلام ابنها

| الخميس 04 أغسطس 2022

تقديم الدعم للطلاب لاستكمال تعليمهم ليصبحوا مهندسين معماريين

"النهار"- ليلي جرجس

سنتان على ذكرى انفجار مرفأ بيروت والدموع لم تجف والجرح ينزف حرقةً وشوقاً للقاء. كان لدى الياس خوري أحلام كثيرة، وكان لدى السلطة اللبنانية جريمة كبيرة. لم يتسنَّ لالياس أن يحقق ما كان يحلم به، وأن يصبح مهندساً ومغني راب في بلد يحتاج إلى بناء حياة كريمة لشعبه.

لم نستيقظ بعد من هذا الارتجاج المتصدع فينا، رائحة الدم ما زالت تفوح في المكان، غبار الموت يعلو أكثر فأكثر خلف أهراء القمح، ومعه تعلو صرخات أمهات وآباء وأصدقاء ومحبّي ضحايا الانفجار لتحقيق العدالة.

رحل الياس خوري وترك لنا أحلاماً يبنى عليها، أحلامٌ تسعى والدته ميراي بازرجي الخوري إلى العيش من أجل تحقيقها له، جزء كبير منها رحل مع الياس في ذلك اليوم المشؤوم.

تقول لـ"النهار": لم أعد الشخص الذي كنتُ عليه قبل 4 آب، ذلك الشخص رحل مع الياس، أنا اليوم شخص آخر موجود لإكمال رسالته في هذه الحياة والمطالبة بتحقيق العدالة والوقوف إلى جانب ابنتي التي ما زالت تصارع جروحها والآثار الذي خلّفها الانفجار في جسمها".


ومن الوجع يولد الأمل، ومن السواد يشعّ النور، وفي آخر النفق المظلم طريق جديدة، هذا ما تُعلّمنا اياه والدة الياس اليوم. من خسارة الياس كتبت حياة لكثيرين. وكان إطلاق جمعية الياس خوري في الأول من آب الشعلة التي لن تنطفئ، وهدفها تقديم الدعم للطلاب لاستكمال تعليمهم ليصبحوا مهندسين معماريين كما كان يحلم الياس أن يكون عليه يوماً، وتوسيع آفاقهم بالموسيقى والفن.

تخذلها دموعها طوال الوقت، أمومتها بُترت غصباً عنها، هناك من سرق ابنها منها وحرمها منه. ومع ذلك لم تتوقف يوماً عن الحديث معه. تصارحني قائلة "أتحدث معه دائماً وأعرف أنه موجود معي وأسأله "ماذا تريدني أن أفعل؟". هذه طريقتها لإكمال حياتها والاستمرار، تتمسك به لتستمد القوة منه، هي التي تشعر بوجوده برغم غيابه الجسدي.


لدى ميراي الكثير لتقوله لإبنها الياس، لكنها أولاً تطلب السماح منه "بدي قلو يسامحني لأنني تركته يعيش في هذا البلد"، فهي مؤمنة ومقتنعة أن "الياس لو كان موجوداً في بلد آخر كان ليحقق الكثير، كان طموحاً وذكياً ولديه أحلام وطموحات لا تنتهي، وكان سيبني له مستقبلاً باهراً لكن عِوض أن يكبر بأحلامه قتله بلده".

وتضيف: "لا أعرف من أين أستمد قوتي وأتفاجأ من نفسي كيف أحافظ على صمودي، ولكن أعرف أيضاً أن ليس أمامي الكثير من الخيارات، فإما أن أنهار أو أقاوم وأستمر لتحقيق كل ما كان يتمناه الياس عندما كان بيننا. أمرّ في أيام صعبة جداً أجد نفسي فيها مكبلّة، إلا أن هناك صوتاً في داخلي يحثني على المثابرة، وطالما أنا على قيد الحياة يجب أن أقوم بشيء مفيد، وأدرك أن رسالتي لم تنتهِ بعد على هذه الأرض، وعليّ أن أتمم ما جئت من أجله، والأهم اليوم هو تحقيق العدالة من أجل ابني".

نحن عائلة أُصيبت بالكامل، غادرنا الياس وبقيتُ مع ابنتي نلملم ذيول الانفجار وآثاره جسدياً ونفسياً بعد أن نجونا بأعجوبة. وما زالت ابنتي تحمل في جسدها شظايا هذا الانفجار، وقد خضعت لـ5 عمليات وما زال أمامها الكثير لتجتازه. لقد فقدت سنداً برحيل الياس وتحاول تضميد جراحها الجسدية والنفسية عبر بناء حلم ابنها للآخرين... ومشوارها طويل.


كيف يمكن للمسؤولين أن يناموا في ظل قضية بهذا الحجم؟ وكيف يمكنهم أن يتحايلوا لإيجاد طريقة تساعدهم على عرقلة التحقيق؟ تتعاطى السلطة معنا بدونية من دون أي اعتبار لمشاعرنا وكأننا غير موجودين معهم في هذا البلد. ما جرى في 4 آب هو إهمال قاتل واستهتار مخيف. وبرغم من هذه الجريمة هناك من يتهرب من مسؤوليته ويتجاهل وجعنا ويمضي حياته كأن شيئاً لم يكن. لو كان أولادهم مكان أولادنا هل كانوا بهذا الاستهتار أم أن أولادنا ليسوا بموازاة ومستوى أولاد المسؤولين؟

لم يتسنَ لميراي الحديث مع الياس في ذلك اليوم، كانت تنتظر أن تنهي عملها لتكون معه، لم تكن تعلم أنها ستكون مكالمته الأخيرة معها وأنه سيغادرها بهذه السرعة. تسترجع تلك اللحظات بالقول "كنت انتظر حتى أخرج من المستشفى وكنتُ واثقة أنه سيتحسن ونعود معاً إلى المنزل. لم أكن أستوعب حجم الكارثة وبقيت غير قادرة على فهم ما حصل لفترة، لم يكن الأمر سهلاً، كنتُ متمسكة بفكرة أنه سيكون بخير ولم أفكر للحظة أنه سيتركنا".

عرفنا الياس بصورته الضاحكة يوم بدأنا نحصي عدد ضحايا انفجار المرفأ، ابن 15 عاماً غدره الموت وبقيت ابتسامته حاضرة. بالنسبة لميراي "كان الياس شخصاً سعيداً، يعرف كيف يفرح وكيف يثابر ويحلم. وكلما أنظر إليه أرى تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه، أراه في تلك الصورة وأتمنى أن يبقى كذلك دائماً".

في ذكرى السنتين على انفجار المرفأ، تتمسك ميراي بوعدها لإبنها الياس "سأحاول جاهدة تحقيق كل ما كان يفكر به بالطريقة التي يمكن تحقيقها. وأعده بأنني لن أترك هذه القضية وسأبقى أطالب بالعدالة حتى النفس الأخير، وأتمنى عندما أنتهي من هذه المهمة أن أصبح معه وأكون إلى جانبه".

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا


المزيد من الأخبار