التعبئة الروسية الجزئية.. عصر جديد مقلق بدأ | أخبار اليوم

التعبئة الروسية الجزئية.. عصر جديد مقلق بدأ

داود رمّال | الأربعاء 23 نوفمبر 2022

الصراع ... في عهد اقوى رئيس روسي وأضعف رئيس أميركي

داود رمال – "أخبار اليوم"

 شكل أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأول تعبئة في بلاده منذ الحرب العالمية الثانية بعد انتكاسة كبيرة في ساحة المعركة بأوكرانيا، محاولة للتغلب على سعي الغرب لافقاده زمام المبادرة ووضعه في موقف الدفاع الدائم في الحرب التي تهدف الى كسر الاحادية القطبية.

والتعبئة الجزئية تعني وفق الارقام الروسية استدعاء 300 ألف جندي من قوات الاحتياط على مدى أشهر بدلا من استدعاء كامل يعتمد على قوة احتياطية ضخمة يبلغ قوامها 25 مليونا. ووفقا للتشريعات الروسية، يمكن استدعاء من تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاما، سواء كانوا رجالا أو نساء، ضمن قوات الاحتياط وفقا لرتبهم.

اما العناصر الرئيسية لخطة التعبئة الروسية في المرسوم الذي  وقعه بوتين، فشمل استدعاء فوري لعدد جنود يصل الى 300 ألف من قوات الاحتياط الذين خدموا سابقا في الجيش الروسي ولديهم خبرة قتالية أو مهارات عسكرية متخصصة. ولن يشمل ذلك الطلاب أو المجندين الذين يخدمون لفترات إلزامية مدتها 12 شهرا في القوات المسلحة. ولا يمكن الخروج من الجيش أو من قوة الاحتياط إلا لأسباب تتعلق بالسن أو الصحة، وهو ما تبت فيه لجنة طبية عسكرية، أو لمن صدر عليهم حكم قضائي بالسجن. ويمكن لمن يعملون في مجال الدفاع تأجيل الخدمة.

وقبل يوم واحد، وافق البرلمان الروسي على مشروع قانون يُشدد العقوبات على جرائم مثل الهروب من الخدمة العسكرية أو إلحاق الضرر بممتلكات عسكرية أو العصيان إذا ارتكبت أثناء التعبئة العسكرية أو القتال.

 ووفق نسخة من مشروع القانون يصبح استسلام العسكريين الروس طوعا جريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة عشر سنوات. وسيحصل جنود الاحتياط على حوافز مالية، كما أن مستوى أجورهم سيتساوى مع أجور العسكريين العاملين بصفة دائمة في القوات المسلحة الروسية والذين يتقاضون رواتب أكبر بكثير من متوسط الرواتب في روسيا. وقد تجذب هذه الحوافز بعض سكان الأقاليم حيث تقل الأجور عادة عنها في المدن الكبرى.

أتبع بوتين مرسوم التعبئة بالدعوة الى استفتاء في مناطق تعتبر تاريخيا ارضا روسية تم التنازل عنها ابان الاتحاد السوفياتي، الامر الذي اعتبره الغرب (حلف الناتو) بأنه تصعيد للصراع، وقال بيان للحلف: "ندين بأشد العبارات خطط إجراء ما يسمى بالاستفتاءات حول ضم روسيا للمناطق الأوكرانية التي يسيطر عليها الجيش الروسي جزئيا، ولا تعترف دول الناتو بهذا الضم غير القانوني، فهذه الأراضي تابعة لأوكرانيا، وندعو جميع الدول إلى رفض هذه الاستفتاءات. وأن القرارات الأخيرة للقيادة الروسية، بما فيها التعبئة الجزئية، تؤدي إلى تصعيد الصراع . ونؤكد دعمنا الثابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها. وأن دول الناتو لا تزال مصممة على تقديم المساعدات السياسية والعملية لأوكرانيا في الدفاع ضد العدوان الروسي ومتحدة في استعدادها للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلف".

هذا البيان هو اقرار رسمي اضافي بالدخول المباشر في الحرب الاوكرانية ضد روسيا ومن الاوراق التي يجمّعها بوتين للمرحلة المقبلة التي يبدو ستكون أشد ضراوة.

لقد مضى بوتين في خطة المواجهة، وبدأ تاريخ آخر، فبعد الاستفتاء الشعبي (وبغض النظر عن رأي الغرب به) أصبحت مناطق خيرسون (على الرغم من اعادة الانتشار التكتيكي فيها)، لوغانسك وزاباروجيا أراض روسية محاطة بخطوط حمراء، وأي قصف سيطال المدنيين فيها سيقابل بقصف كييف وغيرها (وهذا ما حصل بالفعل مع تدمير تامزيد من البنى التحتية الحيوية)، وأي استهداف لها بأسلحة غربية بعيدة المدى من قبل اوكرانيا سوف تعتبره روسيا خرقاً للخطوط الحمراء وقد تسمح لنفسها باستهداف شخص الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلنسكي مباشرة، واعتبار ذلك رداً على خرق للخطوط الحمراء  الجديدة التي رسّمتها بفعل الاستفتاء.

صحيح ان الصراعات الدولية الكبرى، تقاد عبر غرف عمليات ضخمة محركها الرئيسي اجهزة المخابرات في الدول العظمى تخطيطاً وتنفيذاً، لكن الصدفة قد شاءت ان يحدث هذا الصراع الاميركي الروسي في عهد اقوى رئيس روسي وأضعف رئيس أميركي. وقوة الرؤساء تلعب دوراً في تعبئة الشعوب واصطفافها وراء قيادتها. مع التأكيد على حقيقة ثابتة هي في حساب الغرب ومحل تصويبه وهي ان الشعب الروسي يمتلك شعوراً وطنياً لا يمتلكه اي شعب آخر (ما عدا الشعب الياباني والشعب الألماني وبعض الشعوب القليلة الأخرى) هذا ما ساعده في السابق بالانتصار على نابليون بونابارت والمغول والمانيا النازية. ومما يساعد القيادة الروسية في هذا المجال ان الصراع يجري على حدود روسيا وليس على حدود اميركا، وان الجنود الروس يتعرضون للقتل ( اضافة الى الشعب الاوكراني المظلوم ) وليس الجنود الاميركيون من هم الذين يتعرضون للمخاطر ويجرحون او يقتلون .

عالم اليوم يفتقد الى الرؤساء الرؤيويّين، أما بوتين (القيصر الروسي)  فيعرف ماذا يريد، وهو مختلف عن قادة الاتحاد السوفياتي السابق الذين كانوا يعانون من العجز في اتخاذ القرارات المصيرية الا ما ندر، وهو لن يقبل بإضعاف روسيا ولو كلفه ذلك الدخول في حرب نووية شاملة .

اما عمليات الاستنزاف التي تنفذها المقاومة الاوكرانية فمختلفة عن تلك التي نفذها المجاهدون في افغانستان، ففي اوكرانيا هناك قتال بين جبهتين وصراع بين سلطتين .والحديث الذي يكرره خصوم روسيا عن استيلاء دولة على أراضي دولة أخرى ويحاول الاعلام الغربي استغلاله لكسب الرأي العام في الداخل، فنجد ما هو اخطر منه في فلسطين المحتلة التي تم طرد شعبها منها ومن تبقى في  اراضي الدولة التي احتلتها اسرائيل عام ١٩٦٧  يخضعون للترهيب الدائم بهدف دفعهم الى الهجرة من فلسطين التاريخية.

سوف تعاني روسيا اقتصادياً لكن ثورات كثيرة سوف تندلع حول العالم وجبهات عدة سوف تفتح وعصراً جديداً مقلقاً قد بدأ .

 

 

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا

أخبار اليوم

المزيد من الأخبار