هل يضع الأوروبيون يدهم على الودائع اللبنانية ويبقى لبنان متفرجاً؟ | أخبار اليوم

هل يضع الأوروبيون يدهم على الودائع اللبنانية ويبقى لبنان متفرجاً؟

| الأربعاء 25 يناير 2023

 كان يفترض أن تتحرك هيئة القضايا في لبنان بصفتها محامي الدولة

"النهار"- سلوى بعلبكي

فيما يسير ملف التحقيقات الاوروبية في لبنان بشبهات تبييض الأموال والإثراء غير المشروع بوتيرة متسارعة، يبرز الى الواجهة المسار الذي قد تسلكه السلطات اللبنانية لمواكبة هذه التحقيقات وما قد ينتج عنها من اجراءات قد تفضي الى وضع اليد على الودائع المشكوك فيها في بعض الدول الاوروبية، خصوصا اذا صحّت المعلومات أن الوفد الاوروبي غادر بسلة مليئة بمعلومات دسمة عن التحويلات إلى الخارج واصحابها، والعمليات المتصلة بسندات اليوروبوندز والتي عليها الكثير من الشبهات.

ولكن كما كل الملفات العالقة في لبنان سياسية كانت أم مالية أم قضائية والتي يصل فيها الاستلشاق والمماطلة الى حد تضييع الحقوق ومحاسبة المسؤولين عنها، ولعل آخرها خسارة لبنان حقه بالتصويت في الجمعية العمومية لتأخره عن دفع مليون و835 ألفا و303 دولارات، مستحقات مالية تراكمت عليه عن السنتين الماضيتين، ثمة تخوف من أن "تفوّت الدولة اللبنانية فرصة استعادة الأموال الناتجة عن جرائم الفساد بسبب موقفها الحذر وترددها في المطالبة بحقوقها في استرداد هذه الأموال لدى قضاء وسلطات الدول الأجنبية، والقيام بالإجراءات التي تتيحها ولايتها القضائية على الأفعال الجرمية"، وفق ما تقول المحامية الدكتورة جوديت التيني في مقال نشرته في "النهار" أمس.

وفي انتظار نتائج التحقيقات الاوروبية، يؤكد رئيس مؤسسة جوستيسيا المحامي الدكتور بول مرقص أن "على لبنان ألّا يقف مكتوفاً، إذ يُفترض بالمعنيين متابعة مسار الأموال في الخارج، وتعيين محام من قِبل هيئة القضايا في وزارة العدل بناء على طلب النيابية العامة التمييزية. أما في حال كانت فعلا ناتجة عن الفساد، فيتوجب على الدولة المطالبة باسترجاع هذه الاموال، علما أن معظم الدول الاوروبية، في ما عدا دولة أو دولتين، تقبل بأن يطالب لبنان باسترداد أمواله كافة". ولكن اللافت وفق ما يقول مرقص أن لبنان "لم يطالب بإشراكه في موضوع تجميد الودائع في الخارج، حتى ان هيئة القضايا لم تعيّن محاميا من محامي الدولة للمطالبة بالاموال على فرض ثبوت ارتباطها بالفساد، والمستغرب ايضا أنها لم تحضر التحقيق الاوروبي الذي أجري في بيروت، رغم أنه أُذِن لها بذلك من قِبل النيابة العامة التمييزية".

وإذ سأل عن اسباب عدم حضور هيئة القضايا مجريات التحقيق الاوروبي، شدد مرقص على "اهمية أن يطالب لبنان بحقوقه وتطبيق القانون 44/2015 الذي يجيز له أن يصادر ويسترجع الاموال الناتجة عن الفساد في حال ثبت ذلك".


زبيب: الغلبة ستكون للاوروبيين!
اذا كانت استعادة الأموال الملوثة بالفساد والتي هُربت إلى الخارج بعد 17 تشرين الأول 2019، ومحاكمة الضالعين في تهريبها تندرجان في اطار المطالبات اللبنانية، بيد أن الدول الصديقة للبنان، الأوروبية والغربية، عبّرت مرارا وتكرارا عن استعدادها المطلق للتعاون مع الدولة اللبنانية في رصد تلك الأموال وإعادة الفاسد منها والمتأتي من عمليات تبييض وتهريب غير شرعي... فهل يتلقف لبنان التعاطف الاوروبي ليعيد أمواله المنهوبة وخصوصا تلك الناتجة عن اعمال فساد، أم أنه سيستمر في سياسة دفن الرؤوس في الرمال مراعاة لخاطر كبار المسؤولين فيه؟ فالدول الأوروبية باشرت التحقيقات في شبهات الفساد للوصول الى إصدار القرارات بالحجز والمصادرة، لكن أين حقوق الدولة اللبنانية من هذه الأموال والعائدات؟

وفق المتخصص في الشؤون الإقتصادية الدولية المحامي الدكتور علي زبيب فإن زيارة الوفد الاوروبي المؤلف من قضاة من 4 دول هي بلجيكا وفرنسا ولوكسمبورغ وألمانيا تأتي تحت مظلة معاهدة دولية للتعاون القانوني هي اتفاقية مكافحة الفساد للعام 2003 التي وقّع عليها لبنان وأقرها بموجب القانون 33/2008، وقد أصبح بموجبها لبنان ملزما بتنفيذ بنود هذه الاتفاقية. فالوفد القضائي برأيه "لم يأتِ لمحاكمة اشخاص لبنانيين في لبنان فقط بل في دولهم الاوروبية ايضا كون الجرائم قد تم ارتكابها في لبنان عبر اختلاسٍ أو نهبٍ للمال العام أو المال الخاص، لكن هذه الاموال استُخدمت في الدول الاوروبية المذكورة أكان عبر ايداعها في المصارف أم شراء أصول منقولة أو غير منقولة في هذه الدول، وهو جرم يوضع في خانة تبييض الاموال ويعطي القضاء الاوروبي صلاحية النظر في هذه الجرائم، فالقضاء الأوروبي لحسن الحظ لا يعتكف، وتاليا لدى وجود ملف لا بد من اتمامه عبر استجواب المعنيين حتى اذا كانوا خارج الدولة".

ويقول زبيب إن "الدول الاوروبية الاربع أجرت حجوزات على أصول وأموال المعنيين، ولكن كان يفترض أن تتحرك هيئة القضايا في لبنان بصفتها محامي الدولة للاشتراك في الحجز على هذه الاصول، إلا أن ذلك لم يحصل، وتاليا وبشكل مبدئي فإن لبنان لغاية الآن لن يفيد في حال الاستحواذ على هذه الاموال، وعليه فإن الاهانة هنا لا تقع بقدوم الوفد الاوروبي للاستحصال على المعلومات ومن ثم اختتام المحاكمات، بل إن الفضيحة تكمن من خلال تقاعس القضاء اللبناني قبل زيارة الوفد، والذي لا يزال غير قادر على مواجهة المافيا والدولة العميقة المتحكمة بلبنان وبمفاصل القضاء ايضا".

بحسب دليل استرجاع الاموال الصادر عن مبادرة "ستارSTAR " )بالتعاون بين البنك الدولي ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC، تمر عملية استرداد الاموال بمراحل اساسية هي: تجميع المعلومات، وكشف الاموال واقتفاء اثرها، وحفظ الاموال باتخاذ التدابير الاحتياطية اللازمة، واقامة دعوى قضائية امام المحاكم المختصة، وتنفيذ الاحكام الصادرة، واخيرا عودة الأموال الى الدولة المعنية. فما المطلوب من الدولة اللبنانية فعله من أجل استرداد الاموال؟

قد تشكل زيارة الوفد الاوروبي بارقة أمل للبنان، لكنها مشروطة، برأي زبيب، "بعدم تدخّل السلطة السياسية في القضاء وإلا سيربح الاوروبيون، ولن يكسب لبنان بأي حال من الاحوال. فهل ستكون الغلبة للأوروبيين؟". كمتخصص في الشؤون المصرفية القانونية الدولية والاقتصادية، يعتبر زبيب أن "الغلبة ستكون للقضاء الاوروبي كون الاموال موجودة هناك، لذا لا بد لهيئة القضايا من التدخل للاشتراك في الحجز على الاموال". بيد أنه يسأل: هل الاموال خارجة من المصارف اي خارجة من الذمم المالية الخاصة أم خرجت من المالية العامة أي من صناديق أو بالاحرى من الذمة المالية التابعة للدولة؟ ويقول: "إذا كانت الاموال التي تم اخراجها واستُعملت تحت خانة تبييض الاموال، وفي حال لم تخرج من ذمة الدولة المالية فإنه ليس للدولة صفة بالتدخل للمطالبة بهذه الاموال، أما اذا كانت خارجة من المالية العامة فلهيئة القضايا الحق بالتدخل. ومن هنا أكان الموضوع خارجيا أم داخليا فإن الهمّ الاول والاخير للقضاء الاوروبي هو الاستحواذ والسيطرة على هذه الاموال وليس بالدرجة الاولى التعاون مع القضاء اللبناني لكشف من الذي نهب أو حوّل الاموال".

ويتخوف زبيب من أنه "بعد كل هذا التعاون الدولي والتمهيد للملاحقات يتم حجز كمية من الاموال أو من الاصول المنقولة وغير المنقولة التي ستذهب لمصلحة الدول الاوروبية المعنية من دون أن يفيد منها لبنان على الاطلاق". إلا أنه عاد واستند الى مواد عدة من اتفاقية مكافحة الفساد، ليؤكد أنه "يمكن للبنان استرداد الاموال خصوصا اذا أثبت أن الاموال خرجت من ذمة الدولة المالية. اما في حال كانت الاموال غير محتسبة كأموال عامة فإنه يمكن اعادتها فقط عندما تثبت السلطات اللبنانية (الخزينة العامة) بشكل معقول ملكيتها السابقة لتلك الممتلكات، أو عندما تعترف الدول المتلقية الطلب أي أوروبا بالضرر الذي لحق بالدولة الطالبة اي لبنان كأساس لارجاع الممتلكات المصادرة".

في الخلاصة، يؤكد زبيب ان التحدي الاكبر للبنان هو "اولا استغلال التحقيقات الاوروبية بهدف فتح ملفات داخل لبنان والادعاء على الاشخاص أنفسهم بتهم تبييض اموال وصرف النفوذ واساءة استخدام السلطة من أجل أن يطاول هذا التحقيق عددا كبيرا من الاشخاص الذين لم يتم شملهم بالتحقيقات الاوروبية، وكذلك لا بد للقضاء اللبناني من التحرك أكان عبر هيئة القضايا أم عبر وسائل خاصة بهدف العمل على استرداد كل ما يتم الحجز عليه أولا بموجب القوانين المرعية الاجراء في لبنان، والاكثر أهمية بموجب اتفاقية مكافحة الفساد 2003 وهو حق مكتسب للدولة اللبنانية". أما على المستوى الاهم، فيرى زبيب أنه "لا بد من استغلال زيارة الوفد الاوروبي ليتم توظيف المحاكمات الاوروبية وجعلها بارقة أمل للسلطات القضائية لكشف المستور والتذرع بهذه التحقيقات لكشف المزيد من الفضائح والاختلاسات بغية اصدار الاحكام واستعادة كمية أكبر من الاموال المتأتية من الفساد بموجب قانون مكافحة الاموال المتأتية من جرائم الفساد الذي جرى اقراره قبل نحو سنة، اضافة الى استغلال التعديلات التي وردت في قانون السرية المصرفية بهدف استعادة أصول منقولة وغير منقولة خرجت من دون وجه حق، وهو ما سيشكل بارقة أمل للمودعين باستعادة ودائعهم، وكذلك باستعادة الانتظام المالي العام في لبنان".

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا


المزيد من الأخبار