قبل سبع سنوات غاب وديع الصافي، فهل نسيناه في زمن التيك توك؟

ميشال نجيم | الأحد 11 أكتوبر 2020

غنّى الراحل أكثر من خمسة آلاف اغنية

 ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

 نزل خبر رحيل وديع الصافي في ١١ تشرين الاول عام ٢٠١٣ على كثير من اللبنانيين كالصاعقة. صحيح ان الرجل كان في الثانية والتسعين من العمر عند وفاته، لكن اسمه كان في وجدان أي لبناني ولد قبل الالفية الثالثة فالراحل غنّى أكثر من خمسة آلاف اغنية (لحّن معظمها لكنه غنّى ايضاً من الحان الاخوين رحباني ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وزكي ناصيف وفيلمون وهبي) وكان اللبنانيون بمعظمهم يشعرون أنه فرد من العائلة، فهو كان العمّ او الجدّ او ربما الجدّ الأكبر بالنسبة إليهم (تبعاً لأعمارهم) ولم تؤثّر مواقفه السياسية في سنواته الأخيرة (لا حاجة للدخول في تفاصيلها) على محبّة الناس له. شُيّع الصافي بعد ثلاثة أيام على غيابه وودّعه محبّوه بالرقص والزغاريد والتصفيق فيما عتب فنانون ومثقفون على الدولة اللبنانية لأنها لم تعلن يوماً للحداد الوطني على رحيل الفنان الكبير.

ولد وديع فرنسيس (وهو اسمه الأصلي) في الاول من تشرين الثاني عام ١٩٢١ في قرية نيحا الشوف وجاء الى بيروت عندما كان في سن العاشرة. عاش طفولة متواضعة غلب عليها طابع الفقر والحرمان. كانت انطلاقته الفنية سنة ١٩٣٨ عندما فاز بالمرتبة الأولى لحنا وغناء وعزفا من بين أربعين متباريا في مباراة إذاعية ايام الانتداب الفرنسي. واتفقت لجنة التحكيم في حينه على اختيار اسم "وديع الصافي" كإسم فنيّ له نظرا لصفاء صوته. في أواخر خمسينات القرن الماضي، بدأ العمل المشترك بين العديد من الموسيقيين من أجل نهضة الأغنية اللبنانية انطلاقا من أصولها الفولكلورية من خلال مهرجانات بعلبك التي جمعت وديع الصافي وفيلمون وهبي والأخوين رحباني وزكي ناصيف واخرين فشارك الصافي بمسرحيات العرس في القرية وموسم العز وشكل ثنائياً غنائياً ناجحاً مع صباح. كما شارك الصافي في أكثر من فيلم سينمائي من بينها "الخمسة جنيه" و"موال" و"نار الشوق".

كان لوديع الصافي الدور الرائد في ترسيخ قواعد الغناء اللبناني وفي نشر الأغنية اللبنانية. وتتفق المغنية فابيين ضاهر وهي أستاذة الغناء الشرقي في المعهد الوطني العالي للموسيقى وجامعة سيدة اللويزة ومعهد الصوت العتيق، مع الرأي القائل ان الصافي مدرسة مستقلة في الغناء والتلحين. عندما سألتها عن رأيها الأكاديمي به، لفتني حديثها عنه وكأنه لا يزال على قيد الحياة فقالت لي: "وديع الصافي يلحّن ليغنّي بنفسه كالطبيب القادر هو فقط على قراءة ما كتبه! هو يعرف ما الذي يناسب صوته العظيم. ألحانه مميزة جداً وغنية بالمقامات الشرقية ولديه قدرة مميزة بالانتقال من نغمة الى أخرى بانسيابية عالية جداً. يؤدي اغنياته بطريقته الخاصة حتى ان عِربه تحمل توقيعه لأنها غنية ومشبّعة موسيقياً. مدى صوته كبير جداً وسجله كبير وهو قادر على غناء أكثر من ثلاثة اوكتافات من الباص الى التينور ولديه تقنية متقدمة جداً في الغناء لا تزعج الاذن لا على القرار ولا على الجواب ولديه قدرة خارقة في هذا المجال. لديه ايضاً قوة بارتجال الالحان وهو قادر على تلحين اغنية بلمح البصر وتكون النتيجة لحناً صعباً. كما يمكنني القول انه من الصعب جداً على أي كان كتابة لحن (او ما يعرف بالتنويط) لوديع الصافي نظراً لحجم العمل الكبير غير قابل للتدوين بأمانة كاملة. صوت وديع الصافي هو بحد ذاته آلة عبقرية تديرها روح وديع الصافي".

ولفتت ضاهر الى ان الصافي في حفلاته الموسيقية المباشرة، كانت لديه امكانية عبقرية وسريعة بإضافة زيادات لحنية تلوّن جمله الموسيقية وتطرب الجمهور الحاضر وتجعله ينتقل لعالم ثانٍ. وعن صعوبة أداء أصوات أخرى لأغنيات وديع، قالت أستاذة الغناء الشرقي: "اداء اغنية لوديع الصافي امر صعب يستوجب ان يكون الصوت مكتملاً وكبيراً حتى يتمكن من الغناء على القرار والجواب وان يكون طيّعاً وسريعاً بالعُرب الموسيقية. اجمالاً من غنّوا لوديع الصافي كانوا من الرجال أكثر من النساء على اعتبار ان مواضيع اغنياته الخاصة تناسب الرجال، الا ان ذلك لا يعني ان النساء غير قادرات على اداء اغنياته والدليل على ذلك اننا في مناهج مادة الغناء العربي، ندرّس اغنيات الاستاذ وديع للرجال كما للنساء من "جنّات عمده النظر" الى "رمشة عينك" و"ولو" و"رح حلّفك بالغصن يا عصفور" وسواها الكثير.

سألت فابيين ضاهر عن علاقة جيل اليوم من طلاب الغناء الشرقي بأغنيات وديع الصافي، فأجابتني: "عموماً، التلميذ الموهوب والمتمكّن والمحبّ للموسيقى للحقيقية، لديه علاقة خاصة بفنّ وديع الصافي ويعرف قيمته ويحب ان يؤدي اغنياته ويكتشف أسراره. انا ارى انّ لدى هؤلاء التلاميذ تحدّياً ذاتياً كي يكونوا أمينين على لحن وديع الصافي على قدر ما يستطيعون ويعطوا الاغنية حقّها. ويمكنني القول ان ابناء المناطق الجبلية يحبّون وديع الصافي أكثر من سواهم فمن تربّى على التراث القديم واغنيات الصافي هو من يحب أن يؤدي هذه الأغنيات".

مع انتهاء حديثي مع أستاذة الغناء الشرقي، دفعني فضولي للبحث على مواقع التواصل الاجتماعي والتطبيقات الالكترونية عن مدى حضور وديع الصافي عليها بعد سنوات على رحيله، فوجدت حضوراً خجولاً لمجموعات وصفحات مخصصة له على فيسبوك، وحضوراً أقل خجلاً للهاشتاغات التي تحمل اسمه على انستغرام وتويتر، لكن ما حيّرني كان ان البحث عن وديع الصافي على تطبيق تيك توك كشف عن وجود أكثر من مليوني مشاهدة لأغنياته (سواء كان هو من يؤديها او فنانون آخرون) والغريب هنا ان هذا التطبيق مستعمل في الاجمال ممّن هم دون الخامسة والعشرين من العمر ومن الأطفال والمراهقين في شكل خاص. اما على تطبيق انغامي المتخصص بالموسيقى، فالصفحة المخصصة للراحل يتبعها مليون شخص وعدد مرّات الاستماع (plays)عليها يفوق ٢٨ مليوناً. لكن الحضور الأكبر لوديع الصافي على مواقع التواصل وجدته على يوتيوب حيث يظهر أن عدد المشاهدات لأغنياته يزيد عن مئة مليون!

اذاً، وديع الصافي لا يزال موجوداً معنا في زمن التيك توك وأخوته وهذا بحد ذاته خبر سارّ وسط كل الاخبار المحبطة والمحزنة والمؤلمة التي تنهال علينا من كل حدب وصوب، ووسط "الظواهر الفنية" التي تجتاح شاشاتنا وهواتفنا وتُفرض علينا بقوة الأمر الواقع وتحت شعار "الجمهور عايز كده" وهو شعار لا أعرف حتى اليوم من هو العبقري الذي ابتكره!