أن تكون قائد أوركسترا في زمن الكورونا: المايسترو لبنان بعلبكي نموذجاً

ميشال نجيم | الثلاثاء 13 أكتوبر 2020

يخطّط بعلبكي لحفل نهاية الشهر الجاري في لبنان لكن الواقع الصحي قد يتسبب بإلغائه

 ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

غيّرت جائحة كورونا منذ اذار الماضي وجه العالم، شاء من شاء وأبى من أبى! لم يبقَ شيء على حاله بعد انتشار هذا الفيروس البارع برسم الحاضر والمستقبل على هواه وبسريّة تامة تجعل مستحيلاً على أيّ منّا (حتى العلماء والاطباء) التخطيط للغد القريب أو البعيد كما كنّا نفعل في السابق. لكن الجائحة في العالم ليست كما هي في لبنان فهنا ليست وحدها سيدة الساحة اذ ان جمهوريتنا تترنّح ويترنّح معها معظم سكانها على وقع انهيار اقتصادي لا يمكن التكهن حتى الساعة بمدى استمراره أو بحجمه. وسط هذه الأجواء، يبدو الموسيقيون المحترفون من الفئات الأكثر تضرراً ممّا يجري، وهذا بالتحديد كان محور حديثي الافتراضي مع قائد الاوركسترا الفيلهارمونية الوطنية لبنان بعلبكي (مواليد بيروت عام ١٩٨١) الموجود حالياً في اوروبا.

قال لي بعلبكي: "انا في رومانيا منذ نحو شهر. كانت لديّ مجموعة من الحفلات المقررة مع الأوركسترا الفيلهارمونية في بوخارست واوركسترا الراديو واوركسترا تراسنلفينيا انما تم تأجيل بعضها بسبب اعادة اغلاق المؤسسات الثقافية منذ اسبوعين تقريباً بفعل انتشار كورونا، وتم تأجيل الحفلات الى العام المقبل اعتباراً من شهر كانون الثاني، على أمل ان تكون الظروف حينها قد تحسّنت لننجز هذه النشاطات".

سألتُ المايسترو وهو الذي كان علم نفس قيادة الأوركسترا عنوان رسالته للدكتوراه، عن الأثر النفسي الذي تركته الجائحة لديه ولدى سائر زملاء مهنته في العالم وفي لبنان، فأجابني: "تأثير هذه الفترة على الموسيقيين في جميع انحاء العالم كبير جداً فالموسيقى فنّ تواصلي مع الجمهور. ونحن كموسيقيين معتادون على نمط معيّن وعدد محدد من الحفلات ونعرف عادةً برنامجنا لسنة الى الأمام. اظنّ انه للمرة الاولى في التاريخ تمرّ هكذا فترة على الموسيقيين من دون أن نعرف ما الذي سيجري بعد حين ومن دون حفلات مبرمجة بشكل واضح كما ان اي حفلة مبرمجة تُلغى بلحظة في حال حدوث اي اصابة بالكورونا. امّا في لبنان، فوضعنا النفسي العام سيئ بسبب كل الظروف الاقتصادية والمعيشية والسياسية والامنية المحيطة بنا. لكن في نهاية المطاف، الموسيقيون يحملون دائماً راية الأمل للناس والأكيد انه ما من شعور بالهزيمة وان هناك أملاً بأن نعود للحفلات والتواصل مع الناس في أقرب فرصة وعندما تسمح الظروف".

وجدت نفسي مجبراً على سؤال بعلبكي عن الشق الماديّ ففي النهاية الموسيقى مهنته، فقال لي: "مورد رزقي الوحيد هو الموسيقى وشغفي الوحيد هو الموسيقى وهذا ما يجمع جميع الموسيقيين المحترفين لأن احتراف الموسيقى لا يحتمل أن تكون لك وظيفة أخرى الا في حالات نادرة جداً. في العادة، الموسيقيون المحترفون سواء كانوا عازفين ام قادة أوركسترا، عليهم ان يكرّسوا وقتهم في شكل تام لهذا الموضوع من التمارين الى المثابرة على البحث في المنزل وصولاً الى الحفلات داخل البلد او خارجه. وطبعاً، الموسيقى موردي الوحيد كما قلت وقد تأثرت بالوضع كما تأثر جميع الفنانين".

ولكن هل الخسارة المعنوية أكبر بالنسبة اليه من الخسارة المادية؟ ردّ المايسترو: "من دون شك، الخسارة المعنوية في هذا الموضوع تبقى أكبر بكثير من الخسارة المادية لأنّ الخسارة المادية مرحلية ويمكن تعويضها عندما يعود العمل الى طبيعته لكن ما يضغط عليك في مرحلة كالتي نعيشها هو العنصر المعنوي وليس المادي، اقلّه في حالتي وفي حال كثيرين من الموسيقيين الذين كانوا يعملون ولديهم نشاطات متعددة. نحن الموسيقيون تغيّر نمط حياتنا اليومية وايقاعها بالكامل فمن تحضيرات مستمرة للحفلات والمشاريع الى ايام "ما عندك شي نهائياً". وحتّى عندما تفكّر بتنفيذ بعض الأمور وتجبر نفسك على العمل، تجد ان ما من افق قريب امامك".

سألت لبنان بعلبكي ما إذا كانت ظروف العام ٢٠٢٠ جعلته يندم على خياره المهني بأن يكون قائد اوركسترا، فأجابني بفائض من الثقة: "لا أندم للحظة، فهذه من أكبر النعم في حياتي ومن أجمل المهن اذ فيها الكثير من الغنى والفرح واللقاء بفنانين وموسيقيين وبأشخاص جدد وفيها السفر والتعرّف على حضارات جديدة وموسيقى جديدة، لا تكرار، لا ملل بل بحث دائم عن اعمال جديدة ومن غير الممكن ان تكون اي حفلة مماثلة لحفلة أخرى واكيد اكيد اكيد (قالها ثلاث مرات) ما كنت اتمنى ان تكون لي مهنة مختلفة في الحياة".

سألت قائد الاوركسترا الفيلهارمونية الوطنية عن علاقته بالتلحين وماذا كان يفكر بالتوجّه صوبه في الفترة المقبلة من دون ان أوضح له سبب سؤالي، فقال: "لديّ الكثير من التجارب التأليفية أو التلحينية التي لم تتبلور بعد اي انه لم يتم تسجيلها، ومنذ فترة هناك شيء ما في داخلي يقول لي ان موضوع التلحين يستحق مني اهتماماً أكبر فأنا أحب جداً التأليف وقد درسته في رومانيا خلال دراستي لقيادة الاوركسترا وأظن انني سأبدأ قريباً ايلاء اهتمام أكبر لهذا الموضوع. عام ٢٠١٨، لحّنت لعبير نعمة أغنية “بحلم” التي أُنتجت بالتعاون مع جمعية Roads for life وكان هدفها اجتماعياً على اعتبار ان الجمعية تعنى بسلامة الطرقات والحدّ من حوادث السير. وعبير صديقتي مذ كنّا ندرس في جامعة الكسليك وقد عملت كقائد اوركسترا في حفلات عدة لها".

ماذا عن الاصوات التي تستهوي المايسترو ليلحّن لها؟ جوابه كان: "هي الاصوات التي عملت معها كقائد اوركسترا من السيدة ماجدة الرومي الى سمية بعلبكي (شقيقته) وعبير نعمة وهنّ صاحبات أصوات عظيمة".

ختمت اللقاء الافتراضي بسؤال لبنان بعلبكي ما إذا كانت هناك حفلات مقررة له في بيروت في المدى المنظور، سيّما وأن بعض النشاط الفني عاد ليتسلّل في الأسابيع القليلة الماضية الى العاصمة، فقال: "كنّا نحضّر مع الاوركسترا اللبنانية حفلاً في الثلاثين من الشهر الجاري لكن الامر خاضع للواقع الصحي الذي يبدو أنه متجه نحو مزيد من التعقيد ونحن لا يمكن ان نكون استثناءً عن الوضع العام في البلاد ولا نريد اتخاذ اي خطوة فيها خطر على حياة الموسيقيين المشاركين. بالطبع، إذا تمكننا من اقامة الحفل فسيكون بعدد محدود لا يزيد عن ٢٥ موسيقياً وليس ٩٠ او ١٠٠ موسيقي كما في السنوات الماضية. ففي حال كان الوضع قبل اسبوع او عشرة ايام من التاريخ المبدئي للحفل يسمح لنا بإقامته، فسنعلن عنه عبر منصات التواصل الاجتماعي".

زمن الكورونا قد يستمرّ طويلاً وقد يعبث بصحتنا وبنفسيتنا، لكن اطمئنوا: الموسيقى ستبقى معنا لتريحنا وتداوينا كما في كل الأزمنة.