٢٧ عاماً على غياب نهاد قلعي: حسني البرزان لم يمت في ذاكرتنا.

ميشال نجيم | الجمعة 16 أكتوبر 2020

رحل قلعي في ١٧ تشرين الأول عام ١٩٩٣

 ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

 "إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل". هي جملة لن تعني شيئاً لمن هم دون سن الثلاثين، ولكنها من دون شك ستدغدغ ذاكرة من هم من مواليد ما قبل العام ١٩٩٠. هي جملة ردّدها الممثل والكاتب السوري السوري نهاد قلعي وهو يجسّد شخصية حسني البرزان في المسلسل السوري الشهير "صح النوم". كان البرزان صحافياً يستهل مقالاته بهذه الجملة التي تقول الكثير ولا تقول شيئاً في آنٍ واحد. ذات مرة، ردّت عليه فطّوم حيص بيص (تلعب دورها نجاة حفيظ)، صاحبة الفندق التي كانت مغرمة به، قائلةً: "شو في بإيطاليا غير المعكرونة.. وشو في بالبرازيل غير القهوة؟". لم يتمكن متابعو هذا المسلسل يوماً من معرفة ما كان يقصده البرزان من جملته الشهيرة اذ كانت مقالب غوار الطوشي (هل من ضرورة للقول ان دريد لحام كان يلعب هذا الدور؟) تبدأ وتحتل في كل مرة ما تبقى من حيّز في حلقات "صح النوم". وإذا كانت مقالب غوار قد سرقت الاهتمام من مقالات البرزان على الشاشة الصغيرة، يصح القول ايضاً ان نجومية دريد لحام طغت على موهبة نهاد قلعي والثنائي الذي شكّلاه لسنوات استفاد منه الاول اضعافاً مضاعفة أكثر من الثاني، لكن من باب الانصاف يجدر بنا القول ايضاً ان المرض كانت له الكلمة الكبرى في "تحجيم" مسيرة قلعي صوب النجومية ذاتها التي عرفها لحام ولا يزال.

نهاد قلعي من مواليد دمشق سنة ١٩٢٨، واسمه الكامل نهاد قلعي الخربوطلي. برزت موهبته خلال أيام المدرسة وهو لاقى التشجيع من خاله، المسرحي توفيق العُطَري بعدما شاهد تجارب ملفتة له في التمثيل على مسرح ثانوية التجهيز في دمشق. كان نهاد قلعي يرغب بدخول معهد التمثيل في القاهرة انما هذا الحلم لم يتحقق. وقبل أن يحترف الفن، عمل كمراقب في معمل للمعكرونة وكضارب على الآلة الكاتبة ومساعد مخلّص جمركي.

في بداية خمسينات القرن الماضي، أسس نهاد قلعي فرقة النادي الشرقي التي لفتت الأنظار اليها بعد عرض مسرحيتها "ثمن الحرية" في كل من سوريا وبمصر. وبعد نجاح هذا العمل، كُلّف نهاد قلعي بتأسيس المسرح القومي السوري، وهو قدّم سنة ١٩٦٠ عرضاً افتتاحياً لهذه الفرقة من إخراجه، حمل عنوان "المزيفون".

ظهر نهاد قلعي للمرة الاولى على شاشة التلفزيون السوري عام ١٩٦٠ ايضاً، وذلك ضمن برنامج المنوعات "الإجازة السعيدة". خلال مشاركته في هذا البرنامج، التقى الفنان دريد لحام ومنذ ذلك الحين، شكلا ثنائياً كوميدياً اشتهر في انحاء العالم العربي وقدمّا مسلسلات حققت نجاحات كبيرة اهمها: "مقالب غوار" و"حمام الهنا" و "صح النوم" الذي اتينا على ذكره آنفاً.

دويتو نهاد ودريد اشتهر ايضاً على خشبة المسرح وعلى شاشة السينما. اول فيلم ظهرا فيه في الصالات كان "عقد اللولو" عام ١٩٦٤ الى جانب صباح وفهد بلان. بعدها، قدمّا نحو عشرين فيلماً شارك ببطولتها عدد من اهم نجوم الفن وقتها ومنهم شادية وهند رستم وكمال الشناوي وفريد شوقي وسواهم. ومن الأفلام المميزة التي ظهر فيها قلعي مع رفيق دربه لحام، نذكر: "خياط السيدات"، " امرأة تسكن وحدها"، " الرجل المناسب" و" مقلب من المكسيك".

على الخشبة، ظهر ثنائي نهاد ودريد في مسرح الشوك الانتقادي اللاذع، لكن المسرحية الأهم التي قدمّاها سوياً كانت من تأليف محمد الماغوط عام ١٩٧٤ وحملت عنوان "ضيعة تشرين". عام ١٩٧٦، كانت مسرحية "غُربة" آخر مسرحية لنهاد قلعي اذ اصيب بشلل نصفي خلال مشاركته فيها ونُقل الى خارج سوريا أكثر من مرة على إثرها لتلقي العلاج.

بعد مرضه، خفّت كثيراً اعمال نهاد قلعي وكان آخر مسلسل تلفزيوني كتبه وقام ببطولته هو "عريس الهنا" عام ١٩٨٦ وقد غاب عنه دريد لحام. خلال فترة علاجه التي استمرت لسنوات، كتب نهاد قلعي سيناريوهات فكاهية للأطفال كانت تنشرها مجلة سامر اللبنانية، وكان بطلها حسني البرزان الشخصية التي اشتهر بها طيلة حياته.

في السابع عشر من تشرين الأول عام ١٩٩٣، غاب نهاد قلعي. انتهى مشواره باكراً (فعمر الفنانين المميزين نريده دائماً أن يكون أطول) وكان يستحق من دون أدنى مبالغة ان يعرفه جمهور اليوم تماماً كما يعرف دريد لحام، لكن الحياة تمشي وفقاً لمخططها وليس تبعاً لأمنياتنا وتأخذ في طريقها ما تريد ومن تريد، وتبقى لنا الذكريات ومعها -لحسن حظنا- مجموعة من الفيديوهات والتسجيلات لأشخاص نحسّ بأنهم لا يزالون بيننا عندما نشاهدهم على شاشات هواتفنا الذكية.