مي زيادة في ذكرى رحيلها: ايقونة عاشت الكآبة وأحبّت جبران على الورق!

مي زيادة في ذكرى رحيلها: ايقونة عاشت الكآبة وأحبّت جبران على الورق!

ميشال نجيم | السبت 17 أكتوبر 2020

توفيت في ١٧ تشرين الاول ١٩٤١

 ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

 هي طليعة "الفيمينزم" في الثقافة العربية، سيدة نذرت حياتها للكتب وأجادت التحدث بست لغات (لا بل تسع كما يقول البعض). مي زيادة أضحت أيقونة الأدب العربي المعاصر بالرغم من أنها عاشت خمساً وخمسين سنة فقط. السيدة الرصينة التي أحبّها جبران خليل جبران وطه حسين والعقاد وأحمد شوقي وشيخ الأزهر مُصطفى عبد الرازق، ماتت وحيدة في القاهرة ولم يمشِ في جنازتها سوى ثلاثة!

وُلدت في ١١ شباط/ فبراير سنة ١٨٨٦ في فلسطين وكانت ثمرة حب اللبناني إلياس زخور زيادة والفلسطينية نزهة خليل. المهاجر الماروني من قرية شحتول الكسروانية كان استقر في مدينة الناصرة وعمل في مدرسة الأرض المقدسة، وأعجب بفتاة أرثوذكسية تحفظ مئات الأبيات الشعرية، إضافة لنزعتها الصوفية وحفظها لأشعار ابن الفارض وغيره من رموز التصوف الإسلامي، فتزوجا وولدت ماري التي عرفناها تحت اسم مي.

درست مي زيادة في مدرسة الناصرة الابتدائية وبعدما انتقل والدها ووالدتها للإقامة في لبنان، أتمّت دراستها الثانوية في مدرسة عينطورة (ثم في مدرسة الراهبات اللعازريات في بيروت بحسب بعض المراجع). سافرت سنة ١٩٠٨ مع اسرتها إلى القاهرة حيث أنشأ والدها جريدة المحروسة وقد عملت زيادة فيها في كتابة المقالات الأدبية إضافة إلى تدريسها للغة الإنجليزية والفرنسية وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية. تعلمت مي زيادة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة في جامعة القاهرة وعرّبت العديد من الأعمال الغربية الأدبية.

أحبت مي مصر واعتمدت اللهجة المصرية في علاقاتها مع الناس في القاهرة، فيما كانت تتحدث اللبنانية فقط مع والديها. وروى الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قصتي مع مي" انها تكلمت معه بالمصرية عندما زارته في منزله.

اعتلت مي المنابر بثقة واشتهرت بصالونها الأدبي الذي كانت تقيمه في منزلها الكائن في شارع عدلي، كل يوم ثلاثاء منذ عام ١٩١٣، قبل أن ينتقل عام ١٩٢١ إلى إحدى عمارات جريدة الأهرام ويستمر حتى منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. جمع الصالون على مدى أكثر من عشرين عاماً رموز الأدب والفكر وعمالقته وزعماء السياسة ودهاة الديبلوماسية فضلاً عن رجال دين، ونذكر من بين هؤلاء عباس العقاد وطه حسين وأحمد لطفي السيد وشيخ الشعراء إسماعيل صبري والشيخ مصطفى عبد الرازق والمفكّر شبلي شميل وأمير الشعراء أحمد شوقي وشاعر النيل حافظ إبراهيم وشاعر القطرين خليل مطران والشاعر الثائر ولي الدين يكن، والأديب مصطفى صادق الرافعي والكاتب انطوان الجميل والدكتور منصور فهمي. ويحكى ان كلاً من هؤلاء أحبّها على طريقته، حتى صار الصالون فرصة سانحة لإرضاء أشواقهم وإشباع رغباتهم ولو بالنظر إليها بغطاء الصداقة الأدبية. لكن قلب مي لم يخفق إلَّا لثلاثة، حسب ما تفيد تلك الروايات الموثقة بالرسائل المتبادلة بينهم.

في المقابل، يقول كثيرون ان مي لم تحبّ يوماً احداً سوى جبران خليل جبران على الرغم من انها لم تلتقِ به مطلقاً! وعلاقة "الحب عن بعد" بين جبران المقيم في الولايات المتحدة ومي زيادة نمت عبر المراسلات الأدبية الطريفة والمساجلات الفكرية والروحية. بدأت زيادة بمراسلة جبران بعدما قرأت قصته الأجنحة المتكسرة فكتبت رسالة له تُخبره بها عن مدى إعجابها بأسلوبه. تبادل جبران ومي العشق على مهل، وكان أحدهما يبعث إلى الآخر برسالة وينتظر فترة حتى يأتيه الرد. لم يسعَ ايّ منهما فعلاً للقاء الآخر، فمي تزور ألمانيا وإيطاليا ولا تذهب إلى نيويورك، وتدعو جبران لزيارتها في أوروبا لكنه لا يفعل!

ذات مرة، كتبت مي لجبران: "جبران، ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي وأني أخاف الحب، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا وكيف أفرط فيه؟ الحمد لله أنني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به؛ لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً من هذا الكلام، ولاختفيت زمناً طويلاً فما أدعك تراني إلَّا بعد أن تنسى". ورد جبران عليها بقوله: "الكلمة الحلوة التي جاءتني منك كانت أحب لديَّ وأثمن عندي من كل ما يستطيع الناس جميعهم أن يفعلوا أمامي، الله يعلم ذلك وقلبك يعلم".علاقتهما الفريدة استمرت عشرين سنة إلى أن توفي جبران في نيويورك عام ١٩٣١.
توالت المحن على مي زيادة فقد توفي والدها عام ١٩٢٩ ثم رحل جبران وبعدها ماتت والدتها، فدخلت ميّ في عُزلة نفسية وعانت وتألمت طويلًا.

عام ١٩٣٦ ذهبت مي الى لبنان بدعوة من أحد أقاربها لكنّه لم يسمح لها بالرجوع لمصر وجعلها توقع على توكيل بثروتها التي كانت تقدّر في تلك الحقبة بـ٤٠٠ ألف ليرة. وعندما احتجت مي، أودعها اقاربها مستشفى الأمراض النفسية (مستشفى نقولا ربيز في شارع كليمنصو بيروت) بقرار قضائي فتعذبت لأشهر وتخلى الجميع عنها.

وصلت الأخبار للصحافة والإعلام عمّا جرى لمي زيادة وعادها صديقها أمين الريحاني أكثر من مرة وسعى جاهداً لمساعدتها. عام ١٩٣٨، تمكنت من الخروج من المصح بقرار من المدعي العام، وفي ٢٢ آذار من السنة عينها ألقت زيادة محاضرتها الشهيرة "رسالة الأديب" في الجامعة الأميركية وصفّقت لها بيروت وقوفاً وإعجاباً وتقديراً.

بعدها، عادت الى مصر وبقيت فيها الى ان توفيت وحيدة في ١٧ تشرين الأول ١٩٤١بفعل تدهور صحتها. لم يمشِ في جنازتها سوى ثَلاثة هم: أحمد لطفي السيد وخليل مطران وأنطوان الجميل.

كانت مي زيادة تعرف معنى الكآبة وعمقها وقد كتبت في كتابها ابتسامات ودموع تصفها: "الكآبة ختامة شعور الإنسان إزاء الجمال والقباحة والخير والشر والعدل والظلم والكره والحب والفوز والخذلان…هي ناتجة عن شعور المرء بضعفه حيال قوة العالم وبعجزه عن تحويل الأشياء عن مجراها"...فهل من داعٍ لمزيد من الكلام بعد هذا الكلام؟