انفجار المرفأ وعبور الروبيكون

انفجار المرفأ وعبور الروبيكون

| السبت 21 نوفمبر 2020

جورج هيكل 

كان نهر الروبيكون، الواقع شمال شرق ايطاليا اليوم، يشكل الحدود الفاصلة بين مقاطعة "سيزالبين غول" الرومانية في الشمال و " ايطاليا بروبر" في الجنوب في القرن الأول ق.م.
شهرة هذا النهر تأتي من الإنذار الذي وجهه مجلس شيوخ "إيطاليا بروبر" ليوليوس قيصر بعدم عبور هذا النهر وإلا يعتبر ذلك وصول إلى نقطة اللاعودة نحو الحرب. في عام ٤٩ ق.م عبر يوليوس قيصر بجيشه نهر الروبيكون ما شكل شرارة انطلاق الحرب الأهلية في ايطاليا التي انتهت بفوز القيصر.
في لبنان، وفي سنة ٢٠١٩ وتحديدا في السابع عشر من ت١ ، انطلقت موجة عارمة من المظاهرات غير المسبوقة في تاريخ لبنان الحديث من حيث شعاراتها وأهدافها ومحفذاتها وتشكيلاتها المتنوعة. بعضهم أسماها ثورة وبعضهم أسماها انتفاضة و البعض الآخر اعتبرها مؤامرة أجنبية على النظام والبلد، اما انا فاعتبرتها صرخة وجع ولي في ذلك رأي لا مجال للخوض في تفاصيله الآن، ولكن مما لا شك فيه بأن نفَساً مختلفاً قد ولد عند قسم لا يستهان به من الناس في نظرتهم نحو الدولة والطبقة السياسية والمتعاطين بالشأن العام. لم يتطور هذا التغيير ليصبح ثورة حقيقية وبالتالي لم يؤتي بثمار ملموسة تُرجمت إلى تغيير على أرض الواقع وذلك لأسباب متعددة ومتشعبة، فتداخَل الطائفي بالعقائدي والأمني بالسياسي والاقتصادي بالاجتماعي، وتأججت التبعية الحزبية واختلط الحابل بالنابل نتيجة قلة التنظيم وانعدام الرؤية والقيادة الموحدة وتشتت الأهداف والمطالب، لتأتي جائحة الكورونا فتزيد في الطين بلة وتعرقل مسار الحراك ولتستفيد من كل ذلك الطغمة الحاكمة حتى تصورت أنها اخمدت هذه الحركة إلى الأبد. غطَّ الحراك في ثُبات عميق ولكن النار في قلوب المنتفضين بقيت متّقدة يغذيها انهيار الاقتصاد وغباء الحكام وصلفهم معطوفاً على فساد السلطة والإدارة على حدٍ سواء. في الرابع من آب حصل ما لم يكن في الحسبان، انه انفجار العصر الواحد والعشرين، انفجار الضمير والأخلاق قبل اي شيئ آخر، انفجار مرفأ بيروت الذي أصاب بناره وعصفه الحجر والبشر، وأتى على جزء كبير من العاصمة المثقلة اصلا بأوجاع أبنائها لتنتحب اليوم على فقدانهم. جاء الإنفجار ليحل كالزاعقة على رؤوس المسؤولين، ليس لأنهم تأثروا أو صُدموا لما حصل، فالغربان لا تشفق على جثة شهيد بل تنخر لحمها، والتماسيح لا تذرف دمعا على جريحٍ مرمي على قارعة الطريق بل تبتلعه، والذئاب لا تحن على كهل مُعوز أو طفل تيتم بل تنهش لحمه، فصدمة أهل السلطة كانت وقبل أي شيئ، أنهم شعروا بأن أفعالهم النتنة و رائحتهم العفنة قد فاحت في سماء العاصمة، فكيف سيتدبرون تغطية ما حصل؟ انهم من فصيلة الساسة الذين لا يخافون الدم بل يحسبون للحبر بعض الحساب. عَصَف الإنفجار ببيروت مثلما عصف بضمير بعض الناس ممن كانوا لا يزالون بعد مخدرين بكاريزما هذا الصنم أو ذاك، فاستفاقوا على هول الجحيم الذي أوصلنا إليه اصنامهم لينضموا إلى باقي الشعب المقهور والمذبوح في بيته ومحله وعلى الطرقات، هذا الشعب التائه الذي تتجاذبه الثورة المشتعلة في داخله من جهة، والرحيل من هذا البلد إلى غير رجعة من جهة أخرى. لقد بدأنا نرى بعض مقدسي الأصنام ينقلبون على آلهتهم ويحملونهم مسؤولية ما حل بنا، فهل نستطيع القول الآن أن غالبية الشعب عبرت الروبيكون ووصلت إلى نقطة اللاعودة في الانقلاب على الأصنام لتبدأ الرحلة الجدية في استعادة الوطن والدولة من أنياب مختطفيها؟ أم أن طبع اللبناني (النسّى) سوف يتغلب عليه فينسى أو يتناسى من جديد ليعود دولاب الرحى للحكام يطحن الحجر والبشر من جديد؟ حدسي يُنبئني بأن طبع اللبناني النسّى سوف يتغلب عليه، فنعود وكأن شيئا لم يكن. لا اخفي سرّاً إن قلت بأني اتمنى من كل قلبي ان اكون مخطئا. كل شيئ سيظهر قريبا، والغد لناظره قريب.
والسلام.

جورج هيكل


الأكثر قراءة