لماذا طالب 40 ألف مسيحي بعودة الانتداب الفرنسي؟

لماذا طالب 40 ألف مسيحي بعودة الانتداب الفرنسي؟

| السبت 21 نوفمبر 2020

إعلان شريحة من اللبنانيين استسلامها أمام الواقع المرّ واعترافها بالعجز عن تغيير الواقع السياسي

إيلي القصيفي - اساس ميديا
 خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبنان في السادس من آب 2020 بعد أقلّ من يومين على انفجار مرفأ بيروت، وقّع أكثر من 40 ألف لبنانيّ - غالبيتهم العظمى إن لم يكن جميعهم من المسيحيين ومن الشابات والشبّان - عريضة تطالب بإعادة لبنان تحت حكم الانتداب الفرنسي "من أجل إقامة حكم مستقرّ ونظيف، بعدما أظهر المسؤولون اللبنانيون بوضوح عدم القدرة الكاملة على تأمين البلاد وإدارتها".

لم تكن المرة الأولى التي تصدر أصوات تطلب ذلك، لكنّها المرّة الأولى التي تأخذ هذه المطالبة هذا الحجم، وخلال ساعات قليلة.

وإذا كانت العريضة تعبّر، في توقيتها ومضمونها، عن صدمة ما بعد الانفجار المهول الذي دمّر المرفأ وجزء من الواجهة الشرقية لبيروت في ثوانٍ معدودة، إذ إنّ انفجاراً من هذا النوع يتوقّع أنّ يولّد ردّات فعل من أيّ نوع، إلا أنّ هذه الصدمة بمجرّد وضعها في سياق الأزمة المالية والاقتصادية، تأخذ بعداً سياسياً لا نفسياً وحسب، فتعبّر في العمق عن حالة رفض عميق وواعٍ للإدارة السياسية للبلاد التي أدّت إلى الأزمة، بل إلى وقوع الجريمة المأساوية في 4 آب.

لكنّ العريضة إيّاها، وإن كانت تمثّل حالة سخط ورفض عارم للسلطة القائمة، فهي توثّق أيضاً إعلان شريحة من اللبنانيين استسلامها أمام الواقع المرّ، واعترافها بالعجز عن تغيير الواقع السياسي السيء الذي أوصلها إلى الحضيض.

في السياق، ليس قليل الدلالة أن تكون غالبية موقّعي العريضة، إن لم يكن جميعهم، ممّن شاركوا في "17 تشرين"، بوصفها لحظة الأمل الأقصى في إمكان إحداث تغيير سياسي فعليّ. وعلى هذا، فإنّ العريضة تلك، في توقيتها وخصوصيّة الموقّعين عليها، هي بمثابة إعلان هزيمة، حين تعبّر عن انقلاب هؤلاء من أقصى التفاؤل في تغيير الأوضاع القائمة إلى أقصى التشاؤم من إمكان ذلك.  

مع ذلك، فإنّ مقاربة العريضة من الناحية السياسية / الاجتماعية لا يمكن أن تكتفي بتوصيفها كإعلان هزيمة وحسب، بل هي حالة سياسيّة / اجتماعية محدودة، لكن قابلة للاتساع كحالة رفض مطلق للواقع السياسي، مصحوب بتشكيك مطلق بإمكان تغييره. فإذا استطاعت هذه العريضة أن تجمع أكثر من 40 ألف توقيع خلال ساعات، فلنتخيّل أنّ مطلقيها وزّعوها في المناطق، فكم كان سيبلغ عدد التواقيع؟

هذا السؤال يحيلنا إلى نتائج الأزمة الواقعة لا إلى أسبابها وحسب، لا لأنّ التغاضي عن أسبابها ممكنٌ بل لأنّ تعيينها مستحيل من دون التقدير الفعلي لنتائجها الخطيرة. فأن يطلب هذا العدد من المواطنين وضع بلادهم تحت حكم دولة أجنبية، فهذا أمر على عبثيته - لأنّه غير ممكن التحقّق - يؤشّر إلى نتائج الفشل الذي بلغته الدولة "المستقلة" في القيام بوظائفها الأساسية، والتي لخصّتها العريضة بأمرين: تأمين البلاد، وإدارتها. وهما وظيفتان لا تقوم دولة دونهما.

والحال، فإنّ مطالبة غالبية اللبنانيين باستقلال لبنان عن فرنسا مطلع أربعينيات القرن الماضي، ما كانت لتبلغ هذا الحجم لو لم تتملّك هؤلاء ثقة بأنّ دولتهم المستقلّة ستوفّر لهم الأمان وسبل العيش. لذلك، فإنّ مطالبة لبنانيين فرنسا بأن تحكم لبنان مجدّداً هو بلوغ ضمور الثقة بأن دولتـ"هم" يمكن أن توفّر لهم هذين الشرطين. وذلك مع الأخذ في الاعتبار أنّ حجم الثقة هنا لا يتّصل بالوضع السياسي القائم بذاته، بل بمدى أهلية وكفاية السلطة السياسية لمواكبة المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية الحاصلة من خلال اعتماد سياسات اقتصادية والتزام سياسي يستوعبان المتغيّرات بالقدر المتاح والممكن.  

فإذا أخذنا الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مطلع الأربعينيات، فهي كانت مؤاتية لغالبية اللبنانيين للمطالبة باستقلال بلدهم، أي أنّ الاستقلال نفسه ما كان مهدّداً لمصالحهم بل على العكس. أمّا اليوم، فالدولة في "طبيعتها" الحالية باتت خطراً على اللبنانيين في أمنهم ومصالحهم. وهذا، وإن كان لا يعطي شرعية لمطالبتهم بانتداب دولة أجنبية لبلدهم فهو يدلّ إلى عمق المأزق الحالي في لبنان، الذي لا يقتصر على فشل الدولة في القيام بوظائفها "التاريخية" والبديهية وحسب، بل في قدرتها على أن تكون دولة عصرية، أي أن تكون قادرة على مواكبة الوقائع الاجتماعية والاقتصادية في قلب عالم معولم مختلف جذرياً عن عالم 1943... والأدهى أنّ كلّ الموروثات الاقتصادية والثقافية من عهد الاستقلال وما قبله وما بعده هي الآن في طور التداعي.

وإذا عُدنا إلى خصوصية موقّعي العريضة، فإنّ مسيحيتهم الغالبة، فضلاً عن فئاتهم العمرية الشابّة، هي تعبير إضافي عن عمق أزمة هؤلاء ضمن المأزق اللبناني وحتّى العربي لناحية فشل "الدولة الوطنية العربية" بعد عقود على الاستقلال، ومن المشرق إلى المغرب. فالمسيحيون اللبنانيون الذين تخلّوا عن "الحماية الغربية" وذهبوا إلى الميثاق الوطني بمعادلة "لا شرق ولا غرب"، باتوا يعيشون في دولة تعادي الشرق (أي العرب في مفهوم الميثاق) والغرب، مع ما خلّفته هذه العداوة من حصار مالي واقتصادي للبنان جعله غير قادر على استيعاب، ولو بالحدّ الأدنى، مظاهر أو عوارض العولمة الاقتصادية التي يطمح إليها الشبان والشابات الموقّعون على العريضة. بل إنّه أدّى إلى الانهيار الحاصل. وللمفارقة، فإنّ التيار السياسي المسيحي الغالب كان ركناً أساسياً في ترسيخ هذه العداوة، ولاسيّما في السياسة الخارجية للدولة طيلة السنوات العشر الماضية.

كلّ ذلك يطرح مجدّداً، وفي الذكرى السابعة والسبعين للاستقلال، الحاجة لخلق وسط سياسي / اجتماعي يمتلك الإرادة لإعادة الاعتبار للأطر الدستورية والقانونية اللبنانية، ولكسر حلقة العداء التي طوّق بها الحكم الحالي لبنان شرقاً (عرباً) وغرباً. وهذا الوسط، هو الوحيد القادر على الردّ على مطالبات كتلك التي طرحتها العريضة أو تلك التي تنادي بلبنان أصغر إلخ... أمّا أن يأتي الردّ "الشعبي" على موقّعي العريضة، ممّن ضربوا نهائياً "حياد" لبنان بمعناه الميثاقي، أي ألّا تتوسّل "طائفة" لبنانية دعم دولة خارجية للاستقواء على "الطوائف" الأخرى، فهذا دليل آخر على عمق المأزق الذي جُرّ إليه لبنان، وتحديداً من الفئة التي تدّعي الحرص على سيادته بوجه التدخّلات الخارجية!   


المزيد من الأخبار

الأكثر قراءة