بابيشا: فتيات جامعيات في مواجهة الإرهاب والتطرف

بابيشا: فتيات جامعيات في مواجهة الإرهاب والتطرف

ميشال نجيم | الخميس 07 يناير 2021

الفيلم متوفر على منصة نتفليكس

ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

تعني كلمة بابيشا في اللهجة الجزائرية البنت الحلوة المدلّلة. لكن فيلم بابيشا للمخرجة الجزائرية مونيا مدور، وعلى خلاف ما قد يوحي عنوانه، ليس فيلماً عن الحياة الوردية على الاطلاق. فهو شريط يندد بالتطرُّف الديني ويترافع ضد الذكورية، وينعدم فيه حضور الرجل "الإيجابي" في كل مفاصل الحياة لدرجة أن الأب والأخ والزوج لا وجود لهم، والرجل إما إرهابي أو متحرش أو فاشل يحلم بالهجرة من الجزائر إبان السنوات السوداء التي عاشتها نهاية القرن الماضي، في الوقت الذي تصر فيه بطلة الفيلم نجمة (تلعب دورها لينا خودري) وصديقاتها من الطالبات الجامعيات وسيلة، سميرة، ليندا، صالحة، وكهينة على البقاء في الوطن ومعارضة كل ما ترتكبه الجماعات المتطرفة.

نجمة شابة جميلة ومرحة، لديها القدرة والرغبة في السهر واللهو في المراقص، لكنها في لحظة تأمل تتنبّه إلى ضرورة استثمار طاقتها المعنوية ومهاراتها المهنية، وذلك على خلفية توالي الأخبار عن تنامي العنف في الجزائر. وفي ظل طيف الإرهاب الذي يجتاح الشوارع والأسواق ومختلف الفضاءات، تقرر نجمة ان تفجّر موهبتها في تصميم الأزياء وان تقيم عرضاً جماهيرياً داخل الجامعة حيث تدرس، وتشجع صديقاتها على العمل معها كعارضات. تعتمد في المقام الأول على استحضار "الحايك" لتصاميمها، وهو غطاء تقليدي معروف يغطي كامل جسد المرأة الجزائرية عند خروجها من البيت، كانت تستخدمه لتهريب السلاح إلى مقاومي الاستعمار، وذلك في مقابل "النقاب" الذي لا يمثل ثقافة المرأة الجزائرية وتقاليدها، بقدر ما هو عنوان يميز الحركات المتطرفة. ما ان تشرع نجمة في تنفيذ الخطوات الأولى في مشروعها حتى تُصاب بنكسة وصدمة، إثر اغتيال أختها الصحافية والمصورة الشابة ليندا على يد متطرفة منقبة. لكن القصة لا تنتهي هنا، وكأن الشابات في هذا الشريط وُلِدن ليجابهن الحياة بمفردهن، كما لكل منهنّ خيبة حُبّ مع رجل. سميرة التي أصر أهلها على زواجها من سالم نامت مع زهير فحملت منه ليتركها أمام خيارين قاتلين: الإجهاض أو مواجهة الأهل. وسيلة انتهت قصتها مع حبيبها كريم بالضرب والتعنيف بعدما اكتشف أنها طالبة، لأن سكن الجامعة الداخلي "بيت دعارة في الهواء الطلق"، على حد تعبيره. أما نجمة فقد فضّل حبيبها الهجرة على الارتباط بها والبقاء في الوطن، على اعتبار أن "الجزائر غرفة انتظار كبيرة"، بحسب كهينة.
تنحاز المخرجة مونيا مدور في فيلمها إلى جنسها وخصوصيته بأمانة مطلقة، وتسلط الضوء على معاناة المرأة الجزائرية. ببراعة، بلورت المخرجة خطاب الجمال والأناقة والشباب وحُبّ الحياة ضد خطاب العنف والكراهية فقدمت لنا شريطاً بصرياً مبهجاً مقلاً في مشاهد العنف والدم، وفي استخدام اللغة الخطابية أيضاً. يبدو بابيشا فيلماً مستوحى من الواقع، ولكنه لا يؤرخ لشخصيات بذاتها بقدر ما يسمح للخيال بتوليد الإحساس المضاد للعنف، المندد بكل أشكال الكراهية.

حظي بابيشا باهتمام دولي خاص، وحصد هو وبطلته ومخرجته عدداً من الجوائز العالمية الهامة، اذ عُرض ضمن تظاهرة "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي، كما رُشّح رسمياً ضمن القائمة الطويلة لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام ٢٠٢٠، وكان من المقرر أن يعرض للجمهور الجزائري الا انه مُنع رسمياً من العرض لأسباب لم تعلن. لكن بعد مشاهدة الشريط المتاح عبر نتفليكس، سيكتشف المشاهد من دون كثير من الجهد لماذا مُنع الفيلم من العرض في الجزائر، فالنماذج النسوية والطرح العميق والجريء الذي تقدمه المخرجة، قد يثيران الحساسيات الدينية والاجتماعية، حتى لو كان الفيلم يتحدث عن مرحلة زمنية سابقة، ويمكن تخمين كيف تفكر الجهات الرقابية العربية في مواجهة أفكار ابداعية مماثلة.


المزيد من الأخبار

الأكثر قراءة

خاص اليوم