أول صاروخ عربي انطلق من جامعة هايكازيان عام 1960... اليكم القصة!

أول صاروخ عربي انطلق من جامعة هايكازيان عام 1960... اليكم القصة!

| الإثنين 22 مارس 2021

هايدوستيان: الامكانات كانت محدودة أمام الاحلام الكبرى

"النهار"
بعد اطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة أول مهمة فضائية عربية لاستكشاف كوكب المريخ، حيث حمل صاروخ مسبار "الأمل" الإماراتي إلى الفضاء من مركز تانيغاشيما الفضائي في اليابان، عاد اللبنانيون بالذاكرة الى تناول الاعلام اخبارا عن "صاروخ لبناني" أنتجته مجموعةٌ من الأكاديميّين في جامعة هايكازيان في ستّينات القرن الماضي. آنذاك كان المشروع الأول من نوعه في العالم العربي. "النهار" التي عادت الى الارشيف، تحدثت الى رئيس الجامعة الدكتور بول هايدوستيان عن قصة هذا الصاروخ والبحث العلمي في الجامعات.

لماذا كان هذا المشروع الأول في العالم العربي؟ ولماذا في هايكازيان وليس في جامعة مقتدرة مالياً أكثر؟

أؤمن تماماً بالثقافة المؤسسية وأهمية التخطيط ووضع الاستراتيجيات، ولكن أحياناً الحلم الفردي، أو الاندفاعة الفردية نحو التطوير هي التي تشقّ طريقها إلى الحياة المؤسسية. وهكذا قدّم الأستاذ الشاب مانوغ مانوغيان الذي كان في العشرينات من عمره، ويُدرِّس في جامعة هايكازيان التي كان قد مضى خمس سنوات على تأسيسها، خطته إلى جون ماركاريان، أول رئيس للجامعة، والذي كان طلب منه الإشراف على نادي العلوم الطالبي. كانت لدى مانوغ أحلام كبرى. كان يُدرِّس مادتَي الفيزياء والرياضيات، وكان بإمكانه أن يكتفي بتجارب صغيرة النطاق ضمن الأنشطة التي يقوم بها مع طلابه، لكن رؤيته كانت أوسع بكثير.



في العام 1960، كان لبنان قد خرج للتوّ من أزمة وطنية، ويتقدّم ببطء نحو مرحلة من النمو والتطور. لم يكن المبنى الرئيسي في جامعة هايكازيان مجهّزاً على الإطلاق للمشاريع العلمية، وكان التمويل شحيحاً، والأدوات المستخدَمة بسيطة أو مصنوعة يدوياً مما هو متوافر. استخدم بعض الطلاب ما يملكونه من مبالغ ضئيلة لمصروفهم الشخصي من أجل شراء مواد بسيطة كانوا بحاجة إليها. لقد ارتكبوا أخطاء، وتعرّضوا لحوادث، لكن مشروعهم تطوّر، وفُتِحت صفحة مشرقة في التاريخ. وأصبح لشغف الأستاذ مانوغيان وحلمه إطارٌ مؤسسي، وحصل على المساحة والدعم اللذين كان يحتاج إليهما مع طلابه كي يحلموا بالوصول إلى الفضاء والدوران فيه. ولم يكن حلمهم هذا مدفوعاً بالسعي خلف الامتيازات، بل بتوقهم إلى التعلّم والتطوّر.

حقق صاروخ "أرز" من جامعة هايكازيان نجاحاً كبيراً، فقد نما المشروع وتطوّر عاماً بعد عام. وهو حظيَ بدعم رئيس الجمهورية آنذاك فؤاد شهاب والنائب إميل البستاني. العلوم هي واقعٌ تراكمي. تقود تجربةٌ إلى أخرى شرط أن يكون الشخص مستعداً للتعلّم من أخطائه والقيام بأعمال المراقبة والتحضير المناسبة.
غالباً ما تكون أحلامنا خجولة خوفاً من الفشل. لو كانت الأحلام آنذاك محدودة وسيطر الخوف من الفشل، لما استمر المشروع ست سنوات. وكان واضحاً جداً أن حبّ العلوم هو الذي يحفّز الأساتذة والطلاب ويمنحهم الاندفاعة والحماسة. يجب ألا يسعى الإنسان خلف المنفعة الملموسة فحسب، بل يجب أن يكون أيضاً مثالياً في تطلعاته، وإلا تصبح الحياة أسيرة محدودية الأحلام لدى الأجيال الشابة وتتعطّل عجلتها.



أين صار البحث العلمي في الجامعة حالياً، وعلى أي قطاعات يركز؟

خلال العقد الماضي، تركّزت البحوث بصورة أساسية على العلوم الإنسانية والاجتماعية. تعمل برامج العلوم العامة وإدارة الأعمال على إعداد الطلاب للدراسات العليا وسوق العمل، ولكن يستمر التركيز في البحوث والتدريب على التعليم، والعمل الاجتماعي، وعلم النفس، والعلوم السياسية. تركيز جامعة هايكازيان على مفهوم "الخدمة" له تأثيرٌ على التعليم والبحوث ونشاط الطلاب والمؤتمرات الأكاديمية. يسرّني كثيراً أن الجامعة استمرت في تنظيم مؤتمرات افتراضية خلال فترة الإقفال العام والأزمات التي تمرّ بها البلاد، ولم تتوقّف منشوراتنا عن الصدور.

هل ولّى زمن الاختراعات والبحوث العلمية المعمقة في لبنان؟

قد تكون هناك محدوديات كثيرة تعترض طريقنا، لكنني على يقين من أنه إذا استمر المجتمع اللبناني والمؤسسات اللبنانية في التركيز على مهارات الأجيال الشابة وكفاءاتها، سوف نتمكّن من تحقيق اختراقات جديدة، على المستويَين المحلي والدولي. ولكن لا بد لي من أن أضيف أن الروح هي جوهر الكائن البشري، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا كي لا تنطفئ الروح اللبنانية.



أحد العوائق الأساسية هو أن البحوث العلمية تستغرق وقتاً، وتتطلب استقراراً ودعماً مؤسسياً وحكومياً ومالياً. وهذه العوامل قد لا تكون متوافرة في الوقت الحاضر. ولكن حين تصبح الفرصة سانحة، يمكننا جميعاً أن نتحلى بالاندفاعة اللازمة لوضع تصوّرات ورؤى مبتكرة، وتحقيق إنجازات جديدة.

برأيك، هل البحث العلمي لا يزال جدياً في عصر الإنترنت، وسهولة الحصول على المعلومات بل استنساخها، في كل الجامعات؟

البحث العلمي هو نمطٌ في التفكير والعمل؛ ويجسّد الثقة بوسائل أثبتت فعاليتها في المعرفة والبحث. إنه منطقٌ يمكن نقله من مكتب إلى آخر، ومن مختبر إلى آخر، ومن عقل إلى آخر. بات الاكتفاء بامتلاك المعلومات أو الحصول عليها، وإيراد وقائع معروفة، أمراً من الماضي. فالمرتكزات الأساسية تقوم في الوقت الحاضر على تحليل المعارف، وفهم الوقائع، والمقارنة بين الاستنتاجات، واستنباط مسائل جديدة للتقصي عنها، من جملة أمور أخرى. إنها مقوّمات نجاح الباحثين والجامعات.

وماذا عن الأبحاث في زمن الحجْر والدراسة "أونلاين"؟

أعتقد أن ما يوفّره لنا الإنترنت يساهم في تمكيننا بطرقٍ عدّة. فهو يساعدنا على تخطّي معوّقات المكان والزمان. ولكن ثمة عوامل عدة يجب أخذها في الاعتبار. الإنترنت هو وسيلة شأنه في ذلك شأن وسائل أخرى. تكمن المشكلة في تحديد ما إذا كان يمكن الوثوق بالمحتوى وما هو السبيل الى ذلك. سوف نستغرق وقتاً لنعرف كيف يمكن بناء الثقة بمصادر ذات لغات وأنواع مختلفة. تحضرني هنا المسألة الأخلاقيّة وكيف من الضروري أن يتمتّع التواصل الإلكتروني بالمعايير الأخلاقيّة. والعامل الآخر الذي يجب أخذه في الاعتبار هو مفهوم الوقت. السرعة هي نعمةٌ في العالم الإلكتروني، وكذلك سهولة الوصول إلى المعلومات. ولكن التحدي الأساسي هو معرفة ما إذا كان العقل البشري سيتمكّن من المواكبة والتقويم والتطوّر. بدأ الذكاء الاصطناعي بالدخول إلى مختلف جوانب الحياة. ولكن هل سيكون العقل البشري متخلِّفاً عنه؟ أصبح هذا السؤال وغيره من الأسئلة المشابهة مسائل جوهرية بالنسبة إلى العلماء والمربّين.


المزيد من الأخبار

خاص اليوم