بالصور: حقيقة الموادّ المشعّة على طريق المطار

بالصور: حقيقة الموادّ المشعّة على طريق المطار

| الأربعاء 24 مارس 2021

مدير الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية يكشف التفاصيل

"النهار"- أسرار شبارو

قبل أن تخمد رائحة نيترات الأمونيوم التي ملأت الأجواء اللبنانية في الرابع من آب، وقبل أن تصبح صورة الشهداء الذين سقطوا في انفجار المرفأ ضبابية ولو قليلاً في ذاكرة اللبنانيين، تداول الإعلام حديثاً أثار ذعر المواطنين من جديد، إذ أُشيرَ إلى وجود موادّ مشعّة نووية، "استُقدمت خلال الحرب الأهلية، وجُمعت في مركز الطاقة الذرّية على طريق مطار بيروت". لتُشير معلومات بعد ذلك، إلى اتفاق مع شركة ألمانية على نقلها من لبنان، فما حقيقة الأمر؟

شرح مدير الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية - المجلس الوطني للبحوث العلمية، الدكتور بلال نصولي، لـ"النهار" تفاصيل الموضوع عن الموادّ المشعّة الموجودة فعلاً في مبنى الهيئة. لكنها، بخلاف ما يعتقد البعض، غير قابلة للانفجار ولا الاشتعال، وليست بالكميات التي يتخيّلها مَن لا يعلم عن الأمر إلّا قشرته. فهي، بحسب الجولة التي قامت بها "النهار" على المبنى، موضّبة في غرفتين تحت الأرض، داخل عبوات حديدية صغيرة وعبوات من الإسمنت المسلّح، وعددها محدود جدّاً.

هكذا يعثر على الموادّ المشعّة

بدأ نصولي حديثه بالإشارة إلى وجود عدّة أقسام من الموادّ المشعّة، وقال: "القسم المعنيّ الذي جرى التداول به مؤخراً، فيه موادّ يُطلق عليها مصادر مشعّة يتيمة، أي إننا نعثر على موادّ مشعّة في مكان غير خاضع للتحكم الرقابي، وهي التي لا يُعرَف مصدرها. مثلاً، قبل سنتين عُثر على مادّة مشعّة على الطريق في منطقة الأوزاعي. مع العلم أنّ 90 في المئة من الموادّ المشعّة تُضبط على المعابر الحدودية، ضمن الركام المعدني (الخردة) المعدّ للتصدير من لبنان إلى الخارج".


لكن من أين تأتي الموادّ المشعّة في الخردة؟ عن ذلك أجاب: "في الحروب قد يُقصف مستشفى أو مصنع. يشتري التجّار الحديد كخردة، ومن الممكن أن يحتوي على موادّ مشعّة". وأكّد: "منذ 12 سنة، أرسينا في لبنان مع الجمارك والوكالة الدولية للطاقة الذرّية، منظومة مكافحة الاتجار غير المشروع بالموادّ المشعّة والنووية. ووضعنا على مرافئ بيروت وطرابلس وصيدا بوابات عبور كشف إشعاعي، فإذا عثر عناصر الجمارك على هذه الموادّ أرسلوا لنا للكشف عليها، فنتأكد منها ونأخذها لتصبح تحت التحكّم الرقابي وفقاً للمعايير المعتمدة دولياً. وبعد معالجة الموادّ المشعّة نضعها في المخزن المؤقت للنفايات المشعّة الموجودة في مبنى الهيئة".


بعد حرب العراق وحرب سوريا تفاقمت مشكلة الموادّ المشعّة، وهذا أمر طبيعي في الحروب بحسب نصولي، الذي أكّد: "لدينا قانون يمنع استيراد الركام المعدني من الخارج. ونظراً للركام المعدني المصدّر سنوياً من لبنان، وما يحتويه من موادّ مشعّة يتيمة تستخدم في تطبيقات غير موجودة في لبنان كاستخراج النفط وغيره، ما يعني أنّ ما يُصدَّر من لبنان يدخل عن طريق التهريب، ولا يمكن السماح للتاجر بإخراج الموادّ المشعّة من لبنان، كي لا نتعرّض لشكوى بتهريب موادّ مشعّة وفقاً لالتزاماتنا الدولية، لذلك نضع يدنا على هذه الموادّ كأصحاب صلاحية واختصاص ووفقاً للمعايير الدولية".


خطوات لمعالجة الأمر

تم التواصل مع بعثة لبنان الدائمة في فيينا، ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية لمعالجة موضوع مخزن الموادّ المشعّة، بحسب ما أكّد نصولي. وشرح: "كان الجواب بأن نتواصل مع الدولة اللبنانية لشراء أرض بعيدة عن السكّان، على أن تموّل الوكالة الذرّية المشروع، وإلى حينه نستمرّ بالاحتفاظ بالموادّ المشعّة في المبنى، لأنّ الوكالة كشفت على المكان عدة مرّات". وأضاف: "سنة 2015 بدأنا العمل مع الجيش اللبناني لإنشاء مبنى للنفايات المشعّة. وبعد تحديد الجيش ووكالة الطاقة الذرّية الثكنة، أشارت دراسة بيئية إلى أنّ المكان غير ملائم. عندها سحب الجيش موافقته على الأمر، ما دفعنا إلى التواصل مجدداً مع الوكالة الذرّية لإيجاد حلول بديلة، فكان الجواب أنه سيُرسَل خبراء لتأهيل المخزن الموجود، ريثما تجد الدولة اللبنانية حلّاً وهذا ما حصل".


وأكّد نصولي أنهم يحتاجون إلى قطعة أرض بعيدة عن السكّان، توضع في عهدة الجيش اللبناني، لتشييد طابق عليها ووضع المصادر المشعّة اليتيمة واللُقيات الملوّثة إشعاعياً فيه. وقال: "بعد انفجار المرفأ خشي الجميع من النفايات المشعّة الموجودة في هيئة الطاقة الذرية. وبناءً على توجيهات دولة رئيس مجلس الوزراء، تم التواصل مع قيادة الجيش لسبر إمكانيات الحلول ووضع الأمر على طاولة المجلس الأعلى للدفاع. وكهيئة طاقة ذرّية نؤكّد أنّ الموادّ الموجودة، وفقاً لأعلى معايير الحماية والوقاية الإشعاعية، ليست موادّ متفجّرة ولا تلتهب ولا تحترق ولا تشكّل خطراً على السلامة العامّة، وفقاً لمعايير خزنها الحالية". وعن الحديث عن الآثار الناجمة عن أيّ ضربة إسرائيلية للمبنى قال: "لا تختلف الآثار عن قصف أيّ مستشفى لديه قسم طبّ نووي أو علاج بالموادّ المشعّة. أو لديه مشعّات تستخدم في بنوك الدم، إذ قد يحصل تلوّث إشعاعي محدود في مكان الانفجار، ما قد يسبب حالةً من الخوف الزائد لدى المواطنين من أن يتعرّضوا لتلوّث إشعاعي أو أن تتعرّض ممتلكاتهم لهذا الأمر، وما قد ينتج عن ذلك من آثار سلبية متعدّدة".


كلّف المجلس الأعلى للدفاع هيئة الطاقة الذرّية والهيئة الوطنية، تنفيذ التزامات لبنان الدولية في رئاسة الحكومة لوضع توصياتها. وبعد عدة اجتماعات قال نصولي: "أرسلنا التوصيات إلى المجلس الأعلى للدفاع، الذي أقرّها وطلب متابعة التنفيذ وذلك منذ شهر ونصف، ونحن الآن نتابع الأمر". وعن قرارات المجلس الأعلى للدفاع شرح: "وافق على توصية إنشاء المخزن الدائم للموادّ المشعّة في مكان خارج الإطار السكني، وكلّف وزارة المالية والشؤون العقارية التنسيق مع قيادة الجيش لاختيار العقار المناسب، كما كلَّف وزارة المالية تأمين المبلغ المطلوب للإعمار، وكَلّف مجلس الإنماء والإعمار والجيش اللبناني وضع الدراسات، ووزارة الخارجية البحث في إمكان الحصول على هبة خارجية، ما يعني أنّ هناك جدّية لإنشاء مخزن دائم. وكلّف الهيئة اللبنانية للطاقة الذرّية إجراء ما يلزم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لتعزيز منظومة إدارة النفايات المشعّة في لبنان وضمان أمنها".

مرحلة انتقالية

وإلى حين تشييد المخزن الدائم للنفايات المشعّة، ماذا قال عن المرحلة الانتقالية؟ عن ذلك شرح نصولي: "كلّفني دولة رئيس مجلس الوزراء التواصل مع الدوائر المعنيّة في وزارة الخارجية والمغتربين، ومع الدول التي تُبدي أيّ استعداد للمساعدة لنقل هذه الموادّ إلى الخارج إذا أمكن، نظراً لحساسية هذه الموادّ، لكونها تخضع لمعاهدات أمنية صارمة، أو تأمين المساعدة التقنية والمالية لتشييد المخزن الدائم المنشود. وقد تم التواصل، وفقاً للقنوات المعتمدة، مع كلّ من إيطاليا وألمانيا وفرنسا وغيرها في هذا المجال. ونحن نعمل بطريقة احترافية وديبلوماسية دون ضجيج، للتوصل إلى حلول مستدامة وبالسرعة الممكنة لهذا الأمر". وبشأن علاقة شركة "كومبي ليفت" بهذا الموضوع، لفت نصولي إلى أنّه "أثناء زيارة السفير الألماني دولة رئيس مجلس الوزراء، سأله الرئيس عن إمكانية إخراج شركة كومبي ليفت هذه الموادّ، أسوة بالموادّ التي ستنقلها الشركة. اتصلت بي الشركة لمناقشة الأمر، وقد اعتذرَت عن عدم إمكانية إزالة هذه الموادّ بعد مراجعة السلطات الألمانية المختصّة، لكونها موادّ مشعّة تخضع لقوانين ومعاهدات صارمة، مختلفة تماماً عن النفايات الخطيرة الأخرى. وهناك قوانين واضحة تمنع نقل ودخول هذه الموادّ إلى بلادها".


وأكّد نصولي متابعة تنفيذ توصيات المجلس الأعلى للدفاع مع السلطات اللبنانية المختصّة ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لتعزيز إدارة النفايات المشعّة في لبنان وفقاً لمعايير الأمن والأمان النوويَّين المعتمدة.


المزيد من الأخبار

خاص اليوم