"جرعة اوكسجين" تساعد على الصمود في انتظار الحلول؟

"جرعة اوكسجين" تساعد على الصمود في انتظار الحلول؟

| الثلاثاء 11 مايو 2021

مصرف لبنان يشتري مجدداً الانهيار

سلوى بعلبكي - "النهار"

الأحد الماضي فوجئ اللبنانيون ببيان مقتضب لحاكم مصرف لبنان يعلن فيه بدء التفاوض مع المصارف على خطة لإعادة جزء من ودائعهم اليهم وبالدولار النقدي، مقسطة على سنة تقريبا.

هذا القرار اذا ما أتيح للمركزي التوافق عليه مع السلطات المالية والمصارف، قد يعيد للمودعين ليس جزءا من ودائعهم فحسب بل الأمل باستعادة جنى أعمارهم ومدخراتهم، ويعيد بعضا من ثقة فقدت بين المصارف و"المركزي" من جهة، وبين المودعين من جهة أخرى.

في لبنان لا يمكن التكهن بمآل الأمور، فالتعقيدات السياسية تمنع تشكيل حكومة تقود البلاد نحو الإنقاذ الفعلي، وتفلت الحدود وأصحاب الضمير يطيح جميع موارد الدعم، والمسؤولون يعيشون مرحلة ربط نزاع في ما بينهم، لا يمكن معها التقدم الى الامام بخطوة قادرة على كبح الانهيار والوقوف أمام عجلة الموت الاقتصادي المتربص بالبلاد، لذا تأتي مبادرة حاكم "المركزي" بمثابة شراء للوقت، وخلق شبكة أمان موقتة لا تمتد وفق أفضل التقديرات الى أكثر من سنتين، تمنح الاستقرار الاقتصادي لشريحة واسعة من الشعب اللبناني، وتخلق سيولة تكبح الطلب المتمادي على العملة الصعبة، وتعطي المسؤولين الفرصة التي ربما تكون الأخيرة لإعادة تشكيل حكومة وإدارة سياسية واقتصادية للبلاد تضع الخطط العلمية للخروج السليم من الازمة، وتبادر للتفاوض مع المؤسسات الدولية والدول الصديقة، للإستعانة بمواردها وخبراتها لدعم عملية النهوض.

مذ أعلن الحاكم مبادرته انقسم اللبنانيون وخبراء الاقتصاد والسياسيون حولها، بين مرحب يعتقد بأنها "جرعة اوكسجين" تساعد على الصمود ريثما نصل الى حلول، وبين معارض لا يجد فيها اي مردود إيجابي على الوضع، وينتقد تأخر الحاكم بطرح المبادرات، ويحذر من المساس بالاحتياط الإلزامي.
وفي حين كثرت التساؤلات عن كيفية تأمين المصارف الأموال للمودعين بالدولار؟! هل من سيولة الـ3% التي وفّرتها المصارف ضمن تعميم مصرف لبنان الرقم 154... أم من الاحتياطي الإلزامي لدى مصرف لبنان؟ لم يشأ سلامة الدخول في تفاصيل هذه الاسئلة مكتفيا بالقول لـ"النهار": "انتظروا تعميما من "المركزي" في هذا الشأن يوضح التفاصيل".

الحقيقة البسيطة المؤكدة بالتجربة هي أن كلفة تمويل إعادة جزء من الودائع لأصحابها الفعليين، وفق مبادرة المركزي، هي أقل بكثير من كلفة الإستمرار - تحت حجة الدعم - بتمويل التهريب، والمستهلكين في البلدان المجاورة، وتعزيز مخزون المستوردات لدى بعض التجار الجشعين، كما الاستمرار بخلق الفرص للفاسدين لتكديس الثروات فيما المواطنون يتقاتلون بين بعضهم البعض على السلع المفقودة دوماً، في السوبر ماركت، ومحطات الوقود، والصيدليات.
يشبه مدير الأبحاث لدى اتحاد البورصات العربية الدكتور فادي قانصو المبادرة في مضمونها وتوقيتها بإبرة المورفين أو بالأصح "خطوة استباقية"، داعمة للمنصة الالكترونية "صيرفة"، وذلك تحسبا لتداعيات ما بعد عملية ترشيد أو رفع الدعم المرتقبة في الأشهر القليلة المقبلة، لناحية الغليان المرتقب في الشارع والارتفاعات المتوقعة في سعر الصرف وفي نسب تضخّم الأسعار.

وفي قراءة مفصلة لمضمون البيان، لاسيما لناحية مبداً "مفاوضة المصارف"، يبدو لقانصو بأن مصرف لبنان قد رمى بالمبادرة على المصارف، لا سيما وأن البيان استهل بنجاح التعميم 154 والتزام المصارف بمندرجاته، ما يعني بأن على المصارف أن تقوم بتسديد الودائع بالدولار إلى زبائنها بما توافر لديها من زيادة في رأس المال أو في السيولة أو حتى من ودائع استقطبتها جراء عملية "حث" كبار المودعين على إعادة الأموال من الخارج. ولكن هل نجحت كل المصارف في تطبيق التعميم 154؟ "طبعا لا" يجيب قانصو الذي يسأل ايضا عن المصارف التي لم تستطع تأمين السيولة أو زيادة رساميلها... كيف يمكن لها أن تلتزم ببنود هذه المبادرة؟. كل هذه الأسئلة تطرح علامات استفهام جدّية حول مدى قدرة المصارف الفعلية على تسديد الودائع بالدولار الأميركي وبهذه الأحجام التي نصت عليها المبادرة، أو حتى على التجاوب الكامل معها، لاسيما في ظل ظروف تشغيلية صعبة للغاية وخسائر متراكمة منذ العام 2019.

اشترطت مبادرة مصرف لبنان الحصول على "التغطية القانونية"، وتاليا برأي قانصو فإن نجاح المبادرة قد يكون مرتبطا بإقرار مشروع "الكابيتال كونترول" الذي لا يزال نائماً في الأدراج منذ أكثر من عام في ظل تخبط سياسي واضح حول جدية إقراره في المدى المنظور ورفض علني من جمعية المصارف لبعض بنود مسودة المشروع. بما يعني بأن مبدأ الحصول على تغطية قانونية ما تجيز له تنفيذ القانون بإعادة الأموال إلى أصحابها أو تمنع محاولة إخراج هذه الدولارات من البلاد، قد يشكل عائقا جديا أمام نجاح مبادرة مصرف لبنان. ويفترض قانصو بأن المصارف لم تتجاوب بشكل كلي مع "المركزي" ولم يبق أمام الأخير من خيار سوى اللجوء إلى تسديد قسم من الودائع بالدولار من خلال الاحتياط الإلزامي لديه، (على اعتبار بأن ما لديه من احتياطات سائلة لم تعد تكفي لما بعد نهاية شهر أيار)، فالمركزي لن يلجأ إلى هذه الخطوة إلا في مقابل عملية ترشيد أو رفع للدعم، تحقّق وفرا يخصص لتمرير هذه المناورة والتي قد تهدف في طياتها أيضا إلى تهدئة النفوس وتخفيف عدد العائلات التي ستطلب الحصول على البطاقة التمويلية في حال إقرارها بدلا من الدعم القائم حالياً، وذلك طبعا لفترة محدودة جدا نظرا لتداعياتها الاستنزافية على ما تبقى من مخزون استراتيجي بالعملات الأجنبية، ما يضع استدامة هذه المبادرة على المحك وفي خانة عملية شراء وقت لا أكثر، في انتظار أي تطورات إقليمية قد تلفح بعض الرياح نحو الداخل اللبناني وتعجّل في تشكيل حكومة جديدة. باختصار، يعتبر قانصو إن مسار سعر صرف الدولار مقابل الليرة، في المرحلة المقبلة، سيحدده هذا الصراع بين نعومة "نملة" المنصة الالكترونية والمدعومة بمناورة "أرنب" مبادرة مصرف لبنان من جهة، وبين خشونة "فيل" عملية ترشيد أو رفع الدعم المرتقبة في المدى المتوسط. وعليه، وفي ظل هذا الاشتباك السياسي الحاصل والفراغ الحكومي القاتل والغياب المستهجن لأي حلول أو مبادرات إصلاحية، من المتوقع أن يصرع الفيل الجامح كلّ من النملة والأرنب بالضربة القاضية، ما يعني بأن سعر الصرف قد يكون متجهاً في هذه الحال إلى مستويات مرتفعة جديدة لا يمكن التكهن بها، خصوصا إذا ما بقي السلوك السياسي والاقتصادي السائد حاليا على ما هو عليه.

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود يرى أن "أي خطوة متخذة لا تندرج ضمن سياق سياسة حل شاملة، هي مجرد ترقيع"، مشيراً إلى أنّ "مصرف لبنان يمكنه أن يحرر ملياري دولار من الاحتياط الإلزامي، واعادتها إلى المودعين، ويكون بذلك قد خفض نسبة الاحتياط، وحرر جزءا منه لكن من دون أن يكون قد أهدره".

المهم برأي حمود هو حصول المودعين على مدخراتهم من دون أي قيد أو شرط، فثمة 91% منهم يمتلكون حسابات دون الـ100 ألف دولار، و98% منهم أيضاً يمتلكون حسابات دون الـ500 ألف دولار، ليكون عدد الذين تتعدى حساباتهم هذا الملبغ لا يتجاوز الـ45000 ألف حسابا، فإذا حرر "المركزي" ملياري دولار لتوزيعها لأصحابها، فلا يعتبر مبددا للاحتياط المتبقي.

ثمة 2.6 مليون حساب في المصارف اللبنانية، بينهم مليون و600 ألف حساب (2000 دولار وما دون). وثمة 600 ألف حساب يشملهم القرار، بينهم 240 ألف حساب يحوي على أكثر من 100 ألف دولار، و43 ألف حساب فوق الـ500 ألف دولار، ووفق حمود "إذا أراد "المركزي" أن يحرر للمودعين دولاراتهم على فترة تتجاوز السنة، فإن ذلك سيكلف ذلك بحدود الـ3 مليارات دولار كحد أقصى من الاحتياط الإلزامي".

ولكن في المقابل يرى حمود أنه "من الصعب جدا الاعتماد على المصارف لدفع هذه المبالغ من حساباتها لأن الارصدة الموجودة لدى المصارف المراسلة هي لضمان استمرارية عملها معها. وإذ لا يستبعد حمود فرضية أن يؤول مصير الدولارات المحررة إلى الاكتناز في المنازل والتي من الصعب اعادتها الى المصارف في ظل الوضع القائم، تخوف في الوقت عينه من استنسابية المصارف في تطبيق القرار.

ويرجح حمود أن يكون مصرف لبنان ومن خلال هذه الخطوة قد رضخ للضغوط السياسية للسير بقانون "الكابيتال كونترول"، عبر تيسير أمور المودعين ولا سيما الصغار منهم ليشعروا أن جزءا من أموالهم قد استرد، وليشعروا أيضا أن "الكابيتال كونترول" هو لضمان اعادة ما تبقى من دوائعهم".

انضم الى قناة " AkhbarAlYawm " على يوتيوب الان، اضغط هنا


المزيد من الأخبار

الأكثر قراءة