جديد كتب السياسيين الفرنسيين: مذكرات شوفنمان ورحلة بين الغيبوبة والرئاسة!

ميشال نجيم | الأربعاء 14 أكتوبر 2020

حمل شوفنمان أربع حقائب وزارية واستقال ثلاث مرات

 ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

 يعشق رجال السياسة الفرنسية ونساؤها إصدار الكتب. يعتبرونها سلاحاً يفيدُهم على مستويات شتى، فإن كانوا راغبين بظهور مكثّف على شاشات التلفزيون والمحطات الاذاعية والمواقع الالكترونية، يشكّل كتاب من تأليفهم (او ربما من تأليف سواهم ولكن مع وضع اسمهم على الغلاف بحسب ما يتّهم الاعلام بعضهم) مادةً وسبباً لاستضافتهم. وإذا شعروا بأن شعبيتهم تترنّح بعض الشيء، فلا بأس بكتاب عن لحظات مريرة او مرحلة صعبة عاشوها في حياتهم ولم يتكلموا عنها بالتفصيل سابقاً، عندها يتعاطف معهم الجمهور من جديد وترتفع معدلات قبولهم لدى الفرنسيين او أقلّه لدى الفئة التي تعنيهم حزبياً او انتخابياً. وفي حال كان السياسيون (رجالاً ام نساء) راغبين في الترشّح للانتخابات الرئاسية او لأي منصب رفيع، فنشر كتاب يتضمن مشروعهم السياسي والاقتصادي والبيئي والاجتماعي يسمح لهم بجسّ نبض مؤيديهم فيعدّلون المشروع بما يلائم تطلعات الناخبين. امّا من تقاعد من بين أهل السياسة او لم يعد سنّه يخوّله خوض غمار المماحكات اليومية او ما يسمّى هناك بالPolitique politicienne، فيلجأ لإصدار كتاب (أو اكثر) يروي فيه مذكراته او بعض الاسرار والخفايا عن سياسيين آخرين، فيعود الى دائرة الضوء الى حدّ ما كما قد يحصل على بعض (او كثير) من المال تبعاً للنجاح الذي سيحققه الكتاب، اذ ان سوق الكتب في فرنسا لا يزال مربحاً من الناحية الاقتصادية والدليل على ذلك صدور اكثر من ٥٠٠ كتاب جديد في شهر أيلول الماضي خلال ما يعرف بفترة الRentree litteraire وترجمة هذه العبارة الى العربية أمر شديد الصعوبة اذ ان المقصود منها افتتاح الموسم الادبي الجديد بالتزامن مع العودة الى المدارس، وهي خاصيّة فرنسية يقول الفرنسيون اننا قد لا نجدها في أي دولة أخرى!

الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي أعلن اعتزاله السياسة عام ٢٠١٧ بعد فشله في الحصول على ترشيح حزب الجمهوريين لمنصب رئاسة الجمهورية، أصدر هذا العام كتاباً -لم يكن الاول له- حمل عنوان Le temps des tempêtes ("زمن العواصف" بالعربية) وقد تصدّر لفترة قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في البلاد وبيع منه حتى تاريخه ما يزيد عن ٣٠٠ ألف نسخة. واللافت ان ساركوزي الذي يجول في مختلف المناطق الفرنسية لتوقيع كتابه (على الرغم من ظروف كورونا)، تستقبله حشود كبيرة حيثما حلّ ويسمع من الناس مطالبات له بالعودة للعمل السياسي وبخوض انتخابات عام ٢٠٢٢ الرئاسية وهو يهوى ترك الجواب غامضاً بالنسبة لمؤيديه. فعندما طلبت منه سيدة قبل اسابيع ان يكتب تحت اهدائه لها على الصفحة الاولى من كتابه، تاريخ عودته للعمل في الحقل العام، رسم (على مرأى من كاميرات التلفزيون) علامة استفهام فيما هو يؤكد في مقابلاته انه هجر السياسة الى غير رجعة!

الشهر الماضي، صدر كتاب بعنوان Qui veut risquer sa vie la sauvera ("من يريد المخاطرة بحياته سينقذها" بالعربية) من تأليف جان بيار شوفنمان، الاشتراكي السابق الذي ترشّح للرئاسة قبل ثمانية عشر عاماً وشغل في حياته أربعة مناصب وزارية أهمها وزارة الدفاع في عهد الرئيس الراحل فرنسوا ميتران. وقد عُرف الرجل الثمانيني باستقالته ثلاث مرات من الحكومات التي شارك فيها وهذا ليس غريباً على صاحب العبارة الشهيرة في السياسة الفرنسية: "على الوزير أن يبقي فمه مغلقاً، وفي حال رغب في الكلام فعليه الاستقالة".

يروي شوفنمان في كتابه مراحل حياته منذ طفولته مروراً بدراسته الجامعية ومساهمته في تأسيس الحزب الاشتراكي أوائل سبعينات القرن الماضي وفوز ميتران بالرئاسة عام ١٩٨١ وتنقّله بين وزارات الأبحاث والصناعة والتربية الوطنية والدفاع والداخلية (لا تؤمن فرنسا بالوزراء الاختصاصيين المستقلين الذين نحلم بهم في لبنان) وحرب الخليج واتفاقية ماستريخت وخوضه السباق الرئاسي عام ٢٠٠٢ وانتهاءً بما يسمّيه بأزمة النظام في فرنسا (يبدو اننا لسنا وحدنا على هذا الكوكب من يتحدث عن ازمة نظام في دولته).

من المقاطع الشيّقة في كتاب شوفنمان، حديثه عن دخوله المستشفى عام ١٩٩٨ للخضوع لعملية جراحية للمرارة -وكان وقتها وزيراً للداخلية- وقد تسببت ردة فعله على المخدّر الذي اعطي له بدخوله في غيبوبة استفاق منها بعد ثلاثة أسابيع (وهو تطور أحدث يومها خضةً وذهولاً في فرنسا). ويخبرنا شوفنمان انه عندما استعاد وعيه لم يكن قادراً على الكلام بسبب الانبوب الذي كان داخل فمه، فكتب على ورقة عبارة باللاتينية لم يفهمها طبيبه المعالج، فاستدعى زميلاً له لمساعدته في فك اللغز، عندها كتب الوزير عبارة ثانية باللاتينية لم يفهمها الطبيبان مجدداً فظنّا ان شوفنمان يعاني من مشاكل في الذاكرة لكن الأخير كتب لهما على ورقة ثالثة ان ما كتبه سابقاً باللاتينية كان جزءاً من قسم ابقراط الذي يؤديه الأطباء قبل مزاولتهم المهنة. ويلفت الاشتراكي السابق الى أنه لم يخضع يوماً للجراحة التي دخل المستشفى لأجلها وان وضعه الصحي لم يستوجب ذلك.

وفي الكتاب ايضاً، يروي شوفنمان ما حصل معه ليلة حادث السير الباريسي الذي تعرضت له في ٣١ آب عام ١٩٩٧ زوجة ولي العهد البريطاني الاميرة ديانا وحبيبها دودي الفايد. اذ لم يتمكن شوفنمان الذي كان وزير الداخلية في تلك المرحلة من الاتصال بالرئيس جاك شيراك فيما رئيس الحكومة حينها كان في مدينة لاروشيل البعيدة عن العاصمة، فاضطر للذهاب بنفسه على وجه السرعة الى مستشفى لا بيتيه سالبتريير والبقاء الى جانب السفير البريطاني لمتابعة الوضع الصحي لديانا. وما هي سوى ساعات حتى فارقت الاميرة الحياة وكان على شوفنمان ان يبلغ الخبر للصحافة فحرص على تبديل ملابسه وارتداء بذّة رسمية لإعلان وفاة ديانا وحبيبها وهو النبأ الذي هزّ العالم أجمع. وفي الليلة نفسها، صادف الوزير في أحد أروقة المستشفى رجل الاعمال محمد الفايد (والد دودي) الذي لم يتعرّف اليه وسأله عن مكان المشرحة فاصطحبه شوفنمان بنفسه اليها ليتعرّف الى جثة نجله.

وعن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٢ وقد جمع حينها ٥،٣٤ بالمئة من الأصوات في الدورة الاولى، يقول شوفنمان في مذكراته ان ترشيحه لم يكن موجّهاً ضد رئيس الحكومة الاشتراكي ليونيل جوسبان، وذلك في معرض دفاعه في وجه الاتهامات العنيفة التي تلقاها وقتها بأنه كان السبب وراء خسارة جوسبان وعدم تأهله للدورة الثانية التي خاضها كل من جاك شيراك وزعيم التجمع الوطني اليميني المتطرف جان ماري لوبين واسفرت عن فوز شيراك بولاية ثانية. وكتب شوفنمان في هذا الإطار: "لم أكن اشعر بأي عداوة شخصية معه (يقصد جوسبان)، بل على العكس. كنت مرشحاً ضد الفراغ السياسي الذي كان يمثّله بالنسبة لي مثله مثل جاك شيراك. وفي العمق، كنت اسأل نفسي: هل انت قادر على ملء هذا الفراغ؟".

كتاب جان بيار شوفنمان يقع في نحو خمسمئة صفحة وهو صادر عن منشورات روبير لافون. الكتاب يستحق القراءة (لمحبّي السياسة طبعاً) وإذا كنتم مقيمين في لبنان، انصحكم بالطلب من اصدقائكم او اقربائكم المقيمين في فرنسا ارساله لكم (سعره ٢٢ يورو) لأن طلبه من امازون او سواها من المواقع الالكترونية قد يكون شبه مستحيل في ظل القيود على السقوف الدولية لبطاقات الدفع المصرفية في بلدنا الحبيب...