جدار الصوت في بيروت وحرب تموز من جديد!

جدار الصوت في بيروت وحرب تموز من جديد!

ميشال نجيم | السبت 24 أكتوبر 2020

يبدأ عرض الفيلم يوم الخميس المقبل

ميشال نجيم – "أخبار اليوم"

لا اعرف المخرج اللبناني احمد غصين شخصياً ولا اعرف شيئاً عن ميوله السياسية، واعترف بأنني لم اشاهد أياً من أفلامه القصيرة او الوثائقية. في شهر أيلول من العام الماضي، لفتني خبر مشاركة فيلمه الروائي الاول "جدار الصوت" في مهرجان البندقية السينمائي وفوزه بالجائزة الكبرى في فئة "أسبوع النقاد الدولي" وجائزة الجمهور، فضلاً عن جائزة "ماريو سيراندري" للمؤثرات التقنية. الفيلم الذي صُوّر قبل أكثر من سنتين، تدور أحداثه في لبنان خلال حرب تموّز عام ٢٠٠٦ وكان من المفترض ان يُعرض في الصالات اللبنانية في تشرين الثاني عام ٢٠١٩ لكن انتفاضة ١٧ تشرين الاول أطاحت بالموعد وظلّ الفيلم يتنقل بين البلدان والمهرجانات، منتظراً موعداً جديداً لعروضه التجارية البيروتية الى ان أُعلن هذا الأسبوع ان "جدار الصوت" سيحطّ ابتداءً من ٢٩ تشرين الاول الجاري (أي يوم الخميس المقبل) في الصالة الوحيدة التي اعادت فتح أبوابها في عاصمتنا بعد الاغلاق الذي فرضته جائحة كورونا –ومدّدته الظروف الاقتصادية القاسية في البلاد-وهي صالة VOX.

اثار الفيلم الجدل في لبنان قبل عرضه. في المطلق، الجدل في عالم الفن امر جميل فالعمل الفني الذي لا يثير الجدل سرعان ما يدخل في قاموس النسيان. لكن الغريب ان الجدل الذي حدث في شأن "جدار الصوت" وان كان مشروعاً من الناحية الفنية، تحوّل سياسياً بامتياز، بفعل مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الالكترونية التي تعيش على الجدل السياسي على اعتباره الأكثر اثارةً لقرائها. محور الجدل كان ببساطة: هل يجوز استعمال صور خراب مدينة في سوريا، في فيلم مسرحُه لبنان كما فعل احمد غصين (ولو في مشهدين فقط)؟ يبدو السؤال في الظاهر محقاً او منطقياً اذ يمكن ان يشكّل مادة نقاش بين اهل الاختصاص في جلسة او في ندوة سينمائية، وقد يصلح سؤالاً في مادة الفلسفة في الامتحانات الرسمية. لكن ما لم يكن منطقياً او محقاً على الاطلاق هو حملة تدمير الفيلم التي قادها البعض انطلاقاً من هذا السؤال، من دون ان يشاهد الفيلم حتى!

بعد هذا الجدل، كنت شديد الحماس لمشاهدة العمل لأكوّن رأيي الخاص في شأنه الى ان أتيحت لي الفرصة هذا الأسبوع. ويمكنني القول ان الفيلم أعجبني لا بل أعجبني جداً اذ وجدته فيلماً يتمتع بدهاء سياسي مبطن فيما هو يحكي قصة حرب تموز بعيون مجموعة اشخاص عاشوا تجربة محددة خلالها. ووجدتُ ان الجدل الآنف الذكر يضمحلّ تدريجياً امام ما يرويه الفيلم وما يصوّره خلال ساعة ونصف الساعة تقريباً. يبدأ الفيلم الذي تقول شارته انه مستوحى من احداث واشخاص حقيقيين، مع توجّه مروان من بيروت الى الجنوب (في ظل انزعاج زوجته رنا وتلعب دورها فلافيا بشارة، بطلة فيلم طيارة من ورق) بحثاً عن والده الذي رفض مغادرة بلدته، لكنه لا يجد أي أثر له. يتجدد القصف فيضطر مروان إلى اللجوء إلى بيت نجيب، صديق أبيه ليجد نفسه مع احتدام المعارك، محاصراً مع نجيب ورفيق له وزوجين احتميا بالمنزل. يُصدم المحاصرون الخمسة بتسلل جنود إسرائيليين الى المبنى وتمركزهم في الطابق العلوي من دون ان يعرفوا بوجود أحد فيه، فلا يبقى أمامهم من خيار سوى الصمت والهمس للبقاء على قيد الحياة (ذكّرني ذلك بفيلم A quiet place حيث الصمت مطلوب من الشخصيات للسبب نفسه انما في سياق مختلف تماماً). ويفسح المخرج مساحة كبيرة لأصوات القذائف والصواريخ والرصاص وطائرات الهليكوبتر (صمّمت الصوت رنا عيد بإتقان معهود)، فيما تدور معظم الأحداث داخل جدران المنزل الذي يُحاصر فيه الخمسة وهم لا يسمعون إلا أحاديث الجنود القابعين في الطابق العلوي والذين لا يظهرون ابداً على الشاشة.

هذا الظرف الإنساني البالغ التعقيد الذي وضع غصين شخصياته فيه، كفيل لوحده بتأمين فائض من التشويق للمشاهد، لكن المخرج لم يتكل على الفكرة فحسب، فالممثلون الذين اختار "حبسهم" في المنزل وهم كرم غصين وعادل شاهين (توفي عام ٢٠١٨) وبطرس روحانا وعصام بو خالد وسحر ميقاتي، كانوا على قدر عالٍ من الحرفية واوصلوا لنا بصدق ما عاشته شخصياتهم، من دون تصنّع وبعيداً عن الأداء المسرحي او الأكاديمي. وقد ساعدهم في ذلك نص غصين البسيط والخالي من التعابير التي لا نستعملها في الحياة اليومية، فضلاً عن الاضاءة الممتازة التي أضفت الجو المطلوب على المنزل المحروم من التيار الكهربائي.

يستحق "جدار الصوت" الكثير من الكلام عن عشرات التفاصيل التي يتضمنها لكن ذلك قد يسيء لمن لم يشاهده بعد وقد يحوّل هذا المقال الى نقد سينمائي متخصص وهذا ما لستُ في وارده اذ انّ ما اكتبه هنا انما اكتبه كمشاهد محب للفن السابع.

في الفيلم، مشاهد تتسلل اليها الطرافة رغم سوداوية المشهد العام ومشاهد مؤثرة تقول الكثير في لحظات معدودة. بعض المشاهد تحاكي فكرة الموت وعلاقة الانسان بها، كأن نرى أحد المحاصرين في المنزل ينظر إلى بقرة في الخارج وينصحها بالهرب، لتظهر في مشهد لاحق مقتولة، او ان نرى الممثل عصام بو خالد يبلّل بنطاله نتيجة خوفه الشديد من ان يخسر حياته.

قبل عام تقريباً، التقيت الممثل بطرس روحانا العائد حينها من مهرجان البندقية وأخبرني عمّا اختبره هناك قائلاً: "شاهدت الفيلم للمرة الاولى خلال عرضه في البندقية، وشكّل ذلك مفاجأة جميلة بالنسبة لي كما احسست بانفعال من نص نص قلبي لأن زميلنا في الفيلم عادل شاهين توفي قبل ان يشاهد العمل. اما وقع الفيلم على الجمهور في البندقية فكان كبيراً جداً وقد فاجأنا ذلك اذ وقف الناس وصفّقوا وبالفعل نال الفيلم جائزة الجمهور."

وعن تصوير الفيلم ومغزاه، قال لي روحانا: "كانت التجربة خلال التصوير في قرية جنوبية، طويلة وصعبة. صوّرنا في هذا الفيلم وجع الانسان في الحرب، وكم هو صعب على الانسان ان يعلق كمدني بين فريقين في ظل حرب، حتى ولو كان مع أحد الفريقين. في أحد المشاهد مثلاً، اخرج من المنزل واصرخ باتجاه المقاومة: خلص ما نحنا هون مش عارفين انو نحنا هون؟ وين عم تقوّصوا علينا؟ فيما هم في الواقع يستهدفون الجنود الإسرائيليين في الطابق العلوي. اما نحن فكنّا محشورين كالجرذان ونتنقل بين غرف صغيرة ونتحمّل ما ينتج عن القصف من اضرار".

ما قاله لي روحانا قرأت ما يكمّله في حديث ادلى به المخرج احمد غصين لموقع المدن في شهر آب عام ٢٠١٩، اذ اعترف بأن فيلمه يتخذ من حرب تموز مسرحاً، أو فضاءً درامياً، لكنه في النهاية "ليس عن حرب تموز وحدها، ولا عن أي حرب أخرى دون سواها"، مؤكداً أن القيمة الأسمى تبقى للفرد، فاهتمامه هو بالمدنيين "الذين يُتركون لمصيرهم المجهول في الحروب". واعتبر غصين ان الحروب تشبه بعضها بعضاً، وان المدنيين يتماثلون "في مصائرهم تحت وطأتها، سواء كانت حرباً في سوريا أو لبنان أو اليمن".

الفيلم عُرض تجارياً حتى الآن في تونس ومصر ويعرض قريباً في دولة الامارات (وتحديداً في دبي بين ٦ و١٨ تشرين الثاني المقبل) وينتظر عرضه في الاردن والمغرب بعد إعادة فتح الصالات في المملكتين. كما شارك بعد مهرجان البندقية، في مهرجانات عدة في مصر والارجنتين وبلجيكا والسويد والنروج وفرنسا (مهرجان الفيلم اللبناني) علماً ان جولته على المهرجانات لم تنتهِ بعد.

"جدار الصوت" من انتاج Abbout productions بالاشتراك مع شركة سانيلاند وMpm films وتتولى توزيعه في صالات العالم العربي شركة MC Distribution.